تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انتقل بي المدعي إلى قبر كان قريبا من قبر الإمام مالك، وأشار إليه قائلا: هذا قبر ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه الخليفة الثالث، ثم أخذ يتلو أدعيته، ويطلب إلي أن أرددها، ولكني كنت أشعر وأنا ماثل أمام قبر الخليفة السباق إلى الخير أن من هذه التسمية نصيبا مباركا طهورا لصاحبها، فقد كنت أمام رجل استمد هذين النورين من نطفتين طهورتين، هما: كريمتا الرسول

صلى الله عليه وسلم .

وإن في دفن عثمان رضي الله عنه في البقيع لحكمة، فقد أراد الله سبحانه أن يخص محمدا ووزيريه بالروضة الشريفة التي هي من الجنة، وأن يضفي على البقيع بركة عثمان، ولو أن كل من في البقيع من الصحابة الأجلاء، وبأيهم يقتدي المرء يهتدي، فقد قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وكذلك أراد الله عز شأنه أن يبارك أرض النجف بدفن رفات علي كرم الله وجهه هناك، وقد يكون في ذلك أيضا مصداقا لقوله تعالى:

وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت

الآية.

ولقد جاء دفن الخلفاء الأربعة في المواقع التي دفنوا فيها أشبه بالماء الطاهر في قارورة، فتفجرت وتناثر ماؤها، وتناثر هذا الطهر في بقاع مختلفة. •••

ولقد ذكرت عظم مكانة عثمان لدى الرسول، ورأيت بعين مخيلتي كيف أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كان يجلس ذات يوم شديد القيظ تحت شجرة وارفة الظل في بستان من بساتين المدينة، وقد خلع نعليه، وكشف عن ساقيه، ووضع قدميه في ماء عين، ورأيت بعيني مخيلتي عثمان مقبلا، فحيى الرسول الذي شاهدته يسرع إلى تغطية ساقيه، فيتعجب عمر، ويقول: هل تستحي من عثمان يا رسول الله!

فيجيب الرسول: كيف لا، وعثمان تستحي منه الملائكة!

بل لقد كانت مكانة عثمان عند قريش تشغل أكبر جانب من محبتهم، أدر الله تعالى الخير وفيرا عليه، فكان موفور النعمة، جوادا كريما؛ إذ قد بذل الكثير من ماله في سبيل رفاهية قومه، بل في سبيل الله، ونصره دينه أيضا ، فقد جاد إلى النبي بألف دينار حينما جهز الرسول جيش العسرة، ونثرها في حجر الرسول الذي أخذ يقلبها بين يديه ويقول: «ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم.»

ومن مآثره في البذل أن بئر رومة كانت لرجل يهودي يبيع للمسلمين ماءها، فرغب الرسول في أن يشتريها مسلم، حتى لا يرهق المسلمون بجشع اليهودي، فتقدم عثمان لشرائها، فأبى اليهودي إلا أن يبيع نصفها فقط باثني عشر ألف دينار، فقبل عثمان، واتفقا على أن يكون لكل منهما يوم خاص، فكان المسلمون إذا جاء يوم عثمان استقوا ليومين، حتى اضطر اليهودي إلى بيع النصف الآخر. ولقد بلغت محبة عثمان من قلوب قريش أن الأم كانت إذا دللت طفلها أنشدته:

أحبك والرحمن

محبة قريش عثمان

وكذلك ذكرت عثمان، وقد كان من السابقين في اعتناق الإسلام، فشاهد جميع المشاهد والوقائع مع الرسول، ما عدا غزوة بدر، فقد كان متغيبا لمرض زوجته «أم كلثوم»، وقد ماتت في اليوم الذي نصر الله فيه المسلمين في موقعة بدر، فكانت غيبة عثمان غيبة شرعية؛ ولذلك أسهم له الرسول مع الغانمين كما لو اشترك في القتال.

وكذلك ذكرت عظم ثقة الرسول بعثمان، فقد اتخذه سفيرا إلى قريش في بيعة الحديبية، كما كان كاتب الوحي للرسول، وكاتبا وأمينا لأبي بكر وعمر، فقد كانا يستشيرانه في أهم الأمور لرجاحة عقله وحسن تدبيره، وكان أحد الستة الذين قال فيهم عمر: إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مات وهو عنهم راض، ولما بويع بالخلافة كانت المبايعة بأغلبية آراء المشيرين من زعماء المسلمين وقادة الرأي فيهم.

وذكرت كيف افتدى عثمان الخطيئة التي ارتكبها عبيد الله بن عمر بماله الخاص حين قتل عبيد الله الهرمزان، وأبا لؤلؤة، وابنته وحفيده، واعتقله عمرو بن العاص، وأتى به إلى صهيب الذي حبسه في دار سعد بن أبي وقاص، وقد كانت هذه أول قضية نظر فيها عثمان، وقد أشير عليه بقتل عبيد الله؛ لأنه قتل عمدا من لم يقتل أباه، فالذين قتلهم لم يثبت عليهم قتل عمر ثبوتا قاطعا ، ولكن بعض الصحابة الأجلاء من المهاجرين قالوا معترضين: لقد قتل عمر بالأمس، فهل نقتل ولده اليوم؟

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٤٧