تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأسرة هي أساس الحياة القومية الصحيحة.

وكانت السيدة سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين في مقدمة ذوي الفضل والأدب والعلم، وكانت تجلس خلف ستار في مجالس الشعراء والعلماء، وتستمع إلى الشعر، وتنقده نقد خبير، كما كانت دارها ندوة للدين والفلسفة والأدب والحكمة.

ومن أبدع ما وصفت به السيدة سكينة أهل الشام من الأنصار الذين بايعوا معاوية وخرجوا على علي ما روي من أنها أبلغت مدير الشرطة أن سوريا اقتحم عليها مخدعها، فلما سارع إليها وجدها قابضة على برغوث بين أصبعيها! وكانت ذات جمال بارع لا يعادله إلا جمال السيدة عائشة بنت طلحة، وكانت تنسق شعرها على طريقة خاصة تسمى الغفراء أو السكينية.

لين المرأة والطهر

ومن القصص الأدبية الظريفة ما روي عن إسحاق الموصلي؛ إذ كان يطوف ذات يوم في البيت الحرام، فسمع ثلاث فتيات كن كالأقمار، ينشدن في الحب شعرا.

وقد استنكر إسحاق منهن ذلك، وقال لهن: يا حزب الشيطان، أفي بيت الله الحرام يحلو لكن الحديث عن الحب والهوى؟

فأجابته إحداهن، وقد عرفته: يا إسحاق، إن الحياة هي الحب، وكل امرئ يحب ناحية من نواحيها، فأنت تحب الشهرة، ولولا حبك إياها لما وصلت إلى ما وصلت إليه من إتقان في صناعة التلحين والغناء. ولقد عاش رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وجاهد؛ لأنه كان يحب الهدى، ويمقت الضلال. وكذلك كان عمر الفاروق يحب العدل، وفي سبيل حبه للعدل لم يتردد في قتل ولده، فلا تأخذ القول على ظواهره، فنحن اللاتي قال فيهن جرير، ثم أنشدنه:

حور حرائر ما هممن بريبة

كظباء مكة صيدهن حرام

يحسبن من لين الحديث زوانيا

ويصدهن عن الخنا الإسلام

فلم يسع إسحاق الموصلي إلا أن يقول لهن معجبا: قاتلكن الله، ما أحسن دفاعكن عن الحب وأوصفكن له!

الإمام مالك

وبينا أنا شارد الذهن في هذه التأملات؛ إذ هزني المدعي هزا من كتفي، قائلا: أفق يا هذا من غشيتك.

ثم أشار إلى قبر كان بجوارنا وقال: هذا قبر الإمام مالك، قاضي المدينة.

ذكرت ذلك الإمام العظيم حقا، القاضي بكتاب الله وسنة رسوله صدقا، وذكرت ذلك البون الشاسع الذي يفصل بين الإمام الأعظم وعلمائنا الأجلاء.

كان الإمام مالك عميدا للتابعين، ودرس عليه الإمام محمد إدريس الشافعي (المدفون في مقابر الإمام الشافعي في مصر)، تخيلت وأنا أمام قبر ذلك العظيم حلقة درسه، حينما نظر إلى تلميذه الإمام الشافعي، فرآه يكتب شيئا بريقه في راحة يده، فاحتدم الإمام مالك غضبا وقال له: ما هذا العبث يا فتى.

قال الشافعي: أنا لا أعبث، ولكني أكتب ما تقول.

فقال الإمام: إن الكتابة لا تثبت إلا بالمداد.

قال الشافعي: لقد وعيت كل ما ذكرت. وتلا على الإمام سبعة وستين حديثا كان الإمام مالك قد درسها لطلابه.

وأعجب الإمام بالشافعي، واغتبط بكونه قصد إليه من مكة لتلقي العلم على يديه، بعد أن سأله عن اسمه وموطنه، فقال: إني محمد الإدريسي ولد شافع بن عبد المطلب.

فذكرت ما قال بعض الرواة من أنه سيخرج من صلب شافع من يملأ الأرض نورا.

واسم الإمام مالك ملء الشرق، وبخاصة في مصر، وقل أن تقدم مذكرة إلى المحاكم المصرية لا يستند المحامون فيها إلى أقوال الإمام مالك، وأحكامه في القضايا الفقهية والشرعية والمدنية.

وكان من أبرز صفاته: الضن بكرامته، حتى لقد رفض أن يتوسط للشافعي لدى أمير المدينة؛ إذ كان الشافعي يود السفر إلى العراق، وسأل مالكا بعض التسهيلات لدى أمير المدينة، فأبى مالك قائلا: يا بني، إن للعلم كرامة تمنعني من أن أذهب إلى الأمير، ولكن إذا حضر الأمير سألته مسألتك.

أجل، لقد كان القضاة العرب المسلمون ذوي كرامة، وإذن فقد كانت جميع طبقات الأمة العربية تساهم في بناء مجد الإمبراطورية العربية.

الباب العاشر

| خلافة عثمان بن عفان

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٤٦