زوجات الرسول وزعيمات النساء
حين وقفت أمام قبر زوجات الرسول وأقرأتهن السلام كما سبق أن وصفت، كانت مخيلتي مشغولة بحياة الرسول الزوجية.
لقد كان محمد أمينا، بل هو المثل الأعلى في الأمانة والصدق والوفاء، فتزوج خديجة رضي الله عنها وهو في الخامسة والعشرين، في حين أنها تكبره؛ إذ كانت في الأربعين، كما كانت ثيبا، وإذن فلم يكن زواجه بها زواج متعة، وكذلك لم تكن زيجاته كلها للمتعة، ولكنها كانت لأشرف الغايات، وأنبل المقاصد، وما تقول المتقولون إلا زورا وبهتانا.
لقد دامت حياة محمد مع خديجة خمسا وعشرين سنة، فماتت وهو في الخمسين، فحزن
صلى الله عليه وسلم
عليها أشد الحزن، ولم يتزوج إلا بعد أن اضطرته دواع اجتماعية وتشريعية وسياسية إلى الزواج.
تزوج محمد بعد وفاة خديجة بزوجته الثانية: سودة بنت زمعة، من قبيلة بني عامر العزيزة الجانب لدواع اجتماعية.
لقد كان يريد خطب ود هذه القبيلة، وقد خطبتها عليه خولة بنت حكيم؛ إذ زارته يوما للتعزية في وفاة خديجة، فوجدته مهموما حزينا أشد الحزن، فقالت له: أراك يا محمد قد أسرفت في الحزن.
فقال: أجل، هي أم العيال، وربة البيت.
قالت: أفأخطب عليك؟
قال: إن شئت، فإنكن معشر النساء أرفق بذلك.
فخطبت عليه سودة وتزوج بها.
أما زواجه بعائشة فقد كان تقديرا منه
صلى الله عليه وسلم
لوفاء أبي بكر، والمصاهرة أقل ما يكون من جزاء لصداقة ذلك الصحابي الصديق، والخليفة الأول العظيم.
وليس أبلغ في الدلالة على أن زيجات الرسول لم تكن للمتعة من أنه تزوج بعد عائشة، مع أنها كريمة أقرب الصحابة إليه، وكانت من أجمل النساء، فضلا عن صغر سنها؛ إذ تزوج بها وكانت في التاسعة من عمرها، وكان يميل إليها كل الميل، فقد روي أنه قال يوما لها ما معناه: يا عائشة، إن حبك في قلبي كالعروة الوثقى.
وكانت عائشة تتيه على الرسول؛ إذ كانت تقول له: ما حال العروة يا رسول الله؟
فكان يجيب بما معناه: إنها على حالها، لم تتبدل ولم تتغير.
فلو أن زيجاته كانت للمتعة لكان له من عائشة خير متعة.
وكان الرسول
صلى الله عليه وسلم
مثال الزوج الذي يداعب زوجه ويلاطفها، فقد حدث أنه شاهد عائشة يوما وهي تلعب ببضع عرائس، فقال لها: «ما هذا يا عائشة!» فقالت: إنهن بناتي يا رسول الله.
ورأى بين العرائس فرسا ذا جناحين، فقال: «أجناحان؟» فقالت عائشة: «أما سمعت يا رسول الله أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟» فضحك
صلى الله عليه وسلم
حتى بدت نواجذه الشريفة. فهل يصح لذوي العقول - وهذه كانت مكانة عائشة، رضي الله عنها، عند الرسول - أن يكون زواجه بعد أن بنى بها زواج متعة؟
ولقد كانت عائشة زعيمة النساء في صدر الإسلام، فقد قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء»، فكانت خير راوية للأحاديث النبوية الشريفة، يرجعون إليها في كثير من الفتاوى الفقهية والشرعية، وكذلك اشتركت في الخلاف السياسي الذي نشب بين معاوية وعلي، وقادت المسلمين في معركة الجمل، ومما يذكر عن معجزات الرسول بهذه المناسبة أنه
صلى الله عليه وسلم
تنبأ بأن كلاب إحدى البقاع المتاخمة لمكان المعركة ستنبح عائشة، وقد ذكرت عائشة وهي في المعركة هذا الحديث، فسألت أين نحن الآن؟ فلما قيل لها إنها في مكان كذا، ونبحتها الكلاب فيه، ذكرت مطابقة الحديث للمكان، فتركت المعركة وعادت، وانسلخت من الخلاف السياسي أيضا. •••
لقد تزوج الرسول بأم سلمة، وكانت زوجة مسلم مات في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، وكان زواجه بها تشريفا لشهداء الإسلام وتطمينا لقلبها.
ومما يروى عن دعابات الرسول مع زوجاته أنهن سألنه يوما: من منا يا رسول الله ألحق بك؟ فقال: أطولكن ذراعا، ثم ضحك والتفت إلى أم سلمة، وهي ألحق بالرسول بعد وفاته
صلى الله عليه وسلم .