فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله النصف الآخر من الربح.
هذا عن ولديه، أما عن زوجه فقد مر بخاطري كيف حدث أنه بعد أن تم الصلح بينه وبين ملك الروم وأخذت العلاقات الودية تتمكن أواصرها بينهما، أهدت امرأته بعض الطيب والمشارب إلى امرأة ملك الروم، فجمعت هذه نساءها واستشارتهن فيما تقدمه لامرأة عمر من الهدايا، فأشرن عليها ببعض الهدايا، وكان منها عقد فاخر، فلما رآه عمر أخذه وأمر بالصلاة الجامعة، فاجتمع المسلمون وصلى بهم ركعتين، وقال: «إنه لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري، قولوا لي في هدية أهدتها أم كلثوم (أعني امرأته) لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم عقدا؟» فقال قائلون: هو لها. فرد عليهم بقوله: «ولكن البريد (الذي أتى بالهدية) بريد المسلمين، والرسول رسولهم، والمسلمون عظموها في صدرها.» ثم أمر بها لبيت مال المسلمين.
اغتيال عمر
ذكرت كل ذلك عن عمر، وهو قطرة من محيط في التحدث عن خلقه العالي، وعدله الذي لا يجارى، وذكرت كيف قتل غيلة وغدرا.
قتل عمر
رأيت بعيني مخيلتي كيف لما كان الصبح يوما من الأيام، وخرج عمر للصلاة، ثم دخل المسجد بعد أن استوت صفوف المصلين، وجاء فكبر ... وكيف دخل أبو لؤلؤة في الناس وفي يده خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي بكير الليثي، وكان خلفه. فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وقال: «أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟» قالوا: نعم، هو ذا، قال: «تقدم فصل»، فصلى عبد الرحمن بن عوف وعمر طريح، ثم احتمل فأدخل داره، ثم دعي له الطبيب، فقال: «أي الشراب أحب إليه؟» فجيء له بنقيع التمر فسقاه، فخرج على حاله من الجرح، ثم سقاه اللبن، فخرج على حاله، فأيقن أنه ميت، ولم يجد للقضاء حيلة.
وقد توفي عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة، ودفن صبيحة يوم الأربعاء في حجرة عائشة مع صاحبيه محمد وأبي بكر، بعد أن استأذن عائشة في ذلك بعد أن طعن.
الباب التاسع
| في مقابر البقيع
التفت المدعي إلي وهو يقول: «والآن تهيأ للخروج.»
وما كدت أسلم وأفرغ من الصلاة حتى قال لي المدعي: «هيا بنا»، فقلت: «وإلى أين؟» قال: «إلى مقابر البقيع.»
وخرجت من المسجد الشريف وأنا منشرح الصدر، مغتبط النفس، مطمئن الروح، متمنيا المكث في هذه الأرض الطاهرة، بعيدا عن ذلك العالم الموحش المليء بالأرجاس، فسلط الله عليه نار الحرب في هذه الدنيا، كما أنذر الكافرين والمشركين والمفسدين بما سيلاقون في الآخرة من عذاب النار في الجحيم. •••
أشار المدعي بعد خروجنا من المسجد الشريف وقال: ها هو ذا البقيع لا يبعد خمسين خطوة، وها نحن أولاء مقبلون عليه.
صعدنا ربوة انتشرت فوقها قبور من الأحجار السود، وكنت خاشع النفس في إطراق وتفكير، فشعرت بيد المدعي تربت على كتفي وهو يقول: «عرج يمينا»، ففعلت، ثم قال المدعي: أنت تقف الآن أمام قبر زوجات الرسول
صلى الله عليه وسلم
فانحنيت إجلالا وقلت: السلام عليكن يا زوجات رسول الله، وأخذ المدعي يتلو أدعيته وأنا أشعر الشعور الذي يتملكني حين أجوس خلال الجنة، فقد كنت حقا في الجنة.
كان يتملكني كذلك شعور بأني لست أهلا لأن أسير بين هذه القبور الطاهرة، وكنت كمن يخشى أن يبعث أولئك الكرام من مراقدهم، ويتمعنون في من ذروة رأسي حتى أخمص قدمي، ويقولون: «هذا رجل من مجتمع تجرد من جميع الصفات الطيبة، والفضائل الإنسانية.»
نعم، إنهم ينظرون إلى ثوبي الحريري، وطربوشي الأحمر، وإلى مظلتي، فيظنونني أضحوكة أتت لأهل المدينة.
لذلك كنت أمشي وأنا في خوف وخشية من أن أقض مضاجع أولئك الأبطال، وكيف لا أخاف ولا أشعر بالخشية وأنا أسير بين علماء أعلام، وقواد عظام، وحكماء وفلاسفة، وأطباء عباقرة، وقضاة مجتهدين، وفقهاء ثقات، وما إلى أولئك من أعضاء مجتمع يختلف عن مجتمعنا في الملبس والعقائد والعادات اختلافا جوهريا.