وأما زواجه بحفصة بنت عمر فقد كان كذلك تقديرا منه لمكانة أبيها رضي الله عنه واعترافا بفضل ما أبلى في سبيل مجد الإسلام وعظمته التي بلغت الذروة العليا في عهد الفاروق، فضلا عن المساواة بين خلفائه، فقد صاهر أبا بكر من قبل، كما زوج خليفتيه عثمان وعلي ببناته. •••
أما زواجه بزينب بنت جحش فقد كان لغاية تشريعية، حتى يبين للمسلمين أن لا حرج عليهم في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، فمرحى، لهذه الديمقراطية الحقة المتواضعة التي أوصى بها الإسلام ونص عليها. وليس أبلغ في الدلالة على التواضع من أن يتزوج محمد (سيد الخلائق وفخر قريش) بامرأة كانت بالأمس خليلة أحد مواليه، وليس أبلغ في الدلالة كذلك على التواضع من أن تتزوج حفيدة عبد المطلب خادمها زيدا. •••
دارت كل هذه الأفكار والخواطر، وأنا ماثل أمام قبر زوجات الرسول، أولئك المؤمنات القانتات، فطبن نوما أيتها الزوجات الكريمات، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإنكن لفي نعيم.
أمام قبر فاطمة
وشعرت بيد المدعي تقبض على يدي، ثم يقودني إلى قبر مجاور لقبر زوجات الرسول وهو يقول: ها هو ذا قبر فاطمة الزهراء.
وهنا أخذتني نشوة فاضت على نفسي؛ إذ شعرت بأني ماثل أمام قبر ابنة الرسول، أم الحسن والإمام أبي عبد الله الحسين، خير شباب الجنة في الجنة، وريحانة المصطفى سيد الأولين والآخرين.
قلت أحيي فاطمة البتول رضي الله عنها: السلام عليك يا بنت الرسول، إن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، والملك لله الواحد القهار.
ثم ذكرت في هذه المناسبة أنه حين نزلت الآية الشريفة بما معناه:
وأنذر عشيرتك الأقربين ، لم يجد
صلى الله عليه وسلم
من العشيرة من هو أقرب إليه من فاطمة، فقال لها ما معناه: «إن أباك لا يغنيك عن العمل الصالح شيئا، فالعمل العمل يا فاطمة»، فانظر كيف بدأ الرسول، بدأ بنفسه في العمل بالقوانين والتعاليم حتى يكون خير قدوة للمسلمين.
أسماء بنت أبي بكر
ذكرت أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير، من الزعيمات؛ إذ يروى عنها أن ابنها سألها عن قتاله مع الحجاج بن يوسف، وهل يمضي فيه؟ فقالت: ما يضير الشاة السلخ بعد الذبح؟
ويروى أن الحجاج صلب عبد الله بن الزبير في الكعبة الشريفة، وأن أهل مكة طلبوا من أسماء أن تتشفع لابنها عند الحجاج لدفنه فأبت، وأخيرا وبعد جهد قبلت رجاءهم، وكتبت إلى الحجاج قائلة: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟
وقد خجل الحجاج من نفسه، ودفنه. •••
لقد خطبت [عائشة] الناس قائلة:
أبي وما أبيه! أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذلك طود منيف، وفرع مديد، هيهات الظنون، أنجح إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى خلبته قلوبها، ثم استشرى في دين الله، فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى إذا اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون، إلى أن قبض الله نبيه، فضرب الشيطان رواقه، ومد عليه ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده، وماج أهله، وبغى الغوائل ... إلى أن قالت: فأي أيام أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم؟ ... أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
فانظر رحمك الله بلاغة زوج رسول الله، وعظم حكمها، وسمو عقلها، وواسع علمها وخبرتها، وبرها بأبيها وقد عدل حين حكم، فإذا بها تتولى الدفاع عنه أمام المسلمين ضد أقوال المبطلين بأبدع بيان، وأفصح لسان، وبأحكم جنان، وبأشد غيرة على الإسلام ومجده ومستقبله.
وكيف تنسى موقف عكرشة بنت الأطرش، فقد دخلت على معاوية ذات يوم متكئة على عكازة، فبعد أن حيته تحية الإسلام، ونادته بيا أمير المؤمنين، دارت بينهما المساجلة التالية: بدأ معاوية الحديث متسائلا: الآن صرت عندك أمير المؤمنين؟ - نعم، إن عليا مات. - ألست متقلدة حمائل السيف يوم معركة صفين؟ تقولين للمقاتلين بأعلى صوتك: «إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم إلى الباطل فأجابوه، واستدعاهم إلى الدنيا فلبوه! فالله الله عباد الله في دين الله، هذه بدر الصغرى، فيا معشر المهاجرين الأخيار امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، ولاقوا أهل الشام الحمر المستنفرة، فرت من قسورة، تقصع قصع البعير.»