تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حقا إن هذه هي أسس العدل، وقد أنشأ عمر مملكته عليها، والعدل أساس الملك.

عمر والمساواة بين الرعية

ثم مثل لي عمر، وكيف كان لا يعرف طريقا لمجاملة كبير، فالأمير والحقير لديه سيان، وابن الأمير لا يعلو على ابن الصغير، ثم ذكرت ما حدث من اعتداء ابن عمرو بن العاص على ابن رجل فقير في مصر، وحضور الرجل وابنه إلى المدينة؛ حيث شكا الوالد أمر ولده إلى أمير المؤمنين الذي استقدم عمرو بن العاص وابنه، فلما مثلا بين يديه في مواجهة شاكييهما، وأدلى الرجل بشكايته، أمر عمر ولد الرجل أن يضرب ابن عمرو بن العاص وإن كان أبوه حاكما.

وما كان عمر يرضى أن يغتصب الحكام أراضي الرعية أو أموالهم، فقد حدث أن جار عمرو بن العاص على قطعة أرض لامرأة عجوز مسكينة قبطية، وضمها إلى الأرض التي شيد عليها مسجده، فجاءت المرأة إلى المدينة تسعى، فلما قابلت أمير المؤمنين وأفضت له بغصب أرضها بفعل عامله عمرو بن العاص، كتب إليه عمر يقول بعد حمد الله والثناء عليه:

يا ابن العاص، نحن أحق بالعدل من كسرى.

فلما عادت المرأة إلى مصر وأعطت ابن العاص كتاب عمر، وضعه على رأسه إكبارا وإجلالا، وأعطى المرأة عشرة أمثال ثمن أرضها.

عمر وعزوفه عن مال المسلمين

وتمثل في خاطري كيف كان عمر يقتر على نفسه؛ إذ كان يتقاضى من بيت مال المسلمين ما دون كفايته وأهله، إلى حد أنه كان يقترض من أمين بيت المال، فإذا تناول راتب الشهر وفى بما عليه من دين لهذا الأمين.

وذكرت ما كان من أمر بعض أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وإشفاقهم على ما وصلت إليه حالة عمر من الضيق وجهد العيش، وكيف اجتمعوا، ومنهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وأتوا أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها فأبلغوها بما اعتزموا عمله، وهو زيادة راتب أمير المؤمنين، وطلبوا منها ألا تبلغ أباها، ولكن حفصة أبلغت والدها، فغضب وقال: «من هؤلاء؟! لأسوأنهم.» قالت: «لا سبيل إلى معرفتهم»، قال لها متسائلا: ما أفضل ما اقتنى الرسول من الملابس؟

قالت: «ثوبان كان يلبسهما للوفد والجمع.» - وأي طعام أصابه أحسن؟ - صرف من شعير يطهى فيكون دسما حلوا. - فأي مبسط له كان أوطأ؟ - كساء ثخين نربعه في الصيف، فإذا جاء الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه. - إذن فأبلغيهم يا حفصة أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قدر فوضع الأمور في مواضعها، وتبلغ بالترجية، وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا، فمضى الأول لسبيله وقد تزود فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك سبيله فأفضى إليه، ثم اتبعهما الثالث، فإن لزم طريقهما، ورضي بزادهما لحق بهما، وإن سلك طريقا غير طريقهما لم يلقهما. •••

وذكرت كيف كان عمر يطبع ولديه: عبد الله، وعبيد الله، وزوجه على طبعه، كما طبع ولاته وعماله أيضا على الزهد والعزوف عن مال المسلمين.

ولقد روى مالك

1

أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: «لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به؟» ثم قال: «بلى، ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح»، فقالا: «وددنا ذلك»، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما المدينة باعا وربحا، فلما دفعا المال إلى والدهما قال: «ابنا أمير المؤمنين يستغلان مال المسلمين! أديا المال وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: «ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه.» فقال عمر: «أديا ...» فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلسائه: «يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا؟»

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٤٠