وهل هناك أشد تأثيرا في النفس من رؤية ألوف من البشر لا تستر عورات أبدانهم إلا غلالات بيضاء، وهم يطوفون حول «البيت الحرام» وقد تساوى الغني والفقير، واستوى الكبير والصغير، وتحلت نفوسهم بالتواضع والخشوع، فترى المرأة المترفة التي عاشت بين العطور والزهور لا ترى غضاضة في أن تسجد على الأرض التي يطؤها الملايين، وترى الرجل ملكا إن شئت أو أميرا يمشي وهو يطوف وإلى جانبه عامة الناس.
رحلات ورحلات
وفي جميع الرحلات التي أمضيت أوقاتها في البلاد الأوروبية كان يتملكني - كما يتملك الغريبين عن أوطانهم - شعور واحد لا يتغير، وإحساس لا يتحول، هو شعور الوحشة في الغربة، والبعد عن الأوطان، ومفارقة الأهل والصحب والخلان.
ولقد كانت تلك الرحلات متباينة الأغراض، مختلفة المقاصد والغايات؛ فمنها ما كان في طلب العلم، وكثير غيرها للاصطياف، وأخيرا وخيرها: رحلاتي إلى الحجاز.
ومع كون أسفاري ورحلاتي وتنقلاتي في البلاد الأوروبية كان منها ما هو للمتعة والنزهة، وكنت على يقين - حين قيامي بها - من متعتها وبهجتها، فقد كانت تلك المتعة أو هاتيك البهجة، تضؤل في عيني إزاء شعوري بالوحشة وألم الاغتراب، وبعدي - بل حتى تفكيري في أني بعيد - عن الأهل والوطن العزيز.
وماذا عسى أن أقول في ذلك الشعور نحو الأهل والوطن والحنين إليهما، وشعور الإعزاز والإيثار بل التقديس لهما، هذا الشعور المتأصل في النفوس؟
كان ذلك شعوري في جميع رحلاتي إلى أوروبا، على عكس شعوري في رحلات الحجاز، فإني حين أقبل على زيارة الأراضي المقدسة أشعر بالغبطة والسرور، فلماذا إذن هذا التناقض في الشعور؟
لقد تساءلت عن السر في ذلك، فاهتديت إلى شيء واحد، لا يمكن إلا أن يكون هو السر بعينه.
غذاء الروح وغذاء النفس
وإنه ليحلو لي دائما أن أكشف عن هذا السر، ذلك أني حين كنت أقصد إلى الغرب، إنما أشخص إلى عواصمه ومدنه لأغذي النفس وأمتعها باللذائذ.
ولكن حين أقصد إلى الحجاز، أشعر بأني قاصد لأغذي روحي، وشتان بين غذاء الروح وغذاء النفس.
وهكذا استطعت أن أهتدي إلى السر فيما رأيته وشعرت به من التلهف على زيارة الحجاز، ومن الفرح والغبطة والابتهاج التي كانت وما زالت تتملكني حين أعتزم السفر إلى بلاد الحجاز.
لا بد من الحج
إذا صدقت نية المرء في تولية وجهه شطر الخير، وبخاصة إذا كان مقبلا على أداء فريضة فيها مرضاة الله، فإن كل صعب يلاقيه لا بد أن يهون، وكل عقبة - مهما تكن كأداء - لا بد أن تذلل، وكل مشكلة - مهما تتعقد - لا بد أن تحل، فلا يخامره شك، ولا يداخله خوف، أو ينتابه يأس من قضاء حاجته.
نويت الحج، وصدقت نيتي، وصح عزمي، فما كان ليثنيني عنه إلا سبق الأجل.
كانت هي الحجة الثالثة، ومع ذلك فقد كنت في لهفة على تأدية فريضتها أشد مما كنت عليه في الحجتين الأوليين، وفي اعتقادي أن من حج مرة يتعطش إلى المزيد، بل إن أحب أمانيه إلى نفسه ألا يفارق الأراضي المقدسة على الإطلاق.
أولى العقبات
ولقد كنت في المرتين اللتين أديت فيهما هذه الفريضة اعتدت السفر إلى الأقطار الحجازية بجواز سفر عادي؛ فلم أكن أعبأ بمواعيد سفر الحجاج وعودتهم؛ لأني أريد دائما أن أنعم بالمكث في الأراضي المقدسة أطول مدة من تلك التي يقضيها الحجاج عادة. وقد كان سفري بهذا الجواز العادي في السنتين الماضيتين أمرا ميسورا، ولكن كم كانت دهشتي عظيمة حين واجهتني عقبة لم أكن أتوقعها، فلقد كانت أولى العقبات؛ إذ رفض أولو الشأن الترخيص لي بالحج بجواز سفري العادي، وأبوا إلا أن أستصدر جواز سفر خاصا بالحج، شأني كشأن سائر الحجيج، ولم أدر السبب في ذلك، وليس هنا مجال القول في بيانه، ولكن ما يهمني أن أسجله هنا هو أن هذه العقبة قد ذللت من أيسر طريق.
ذلك أن وظيفتي الصحفية أجازت لي أن أتمتع بامتياز السفر بجواز عادي، وكفى الله المؤمنين القتال.