تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هال عمر ما سمع، وعاد أدراجه إلى داره لينزل بأخته وابن عمه أشد القصاص، إن لم يفتك بهما، وكان عندهما خباب بن الأرت، وكان هذا يقرأ في صفحة كتبت فيها «سورة طه» حين قدم عمر وطرق الباب.

سمعوا صوت عمر، فاختبأ خباب في جانب الدار، وأخذت فاطمة الصفحة وأخفتها تحت فخذها، فلما دخل عمر والشر يكاد يتطاير من عينيه، قال: «كنت أسمع شيئا، وقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه.»

ثم بطش بابن عمه، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فاعتدى عليها وشج رأسها، فلما شاهد سعيد منه ذلك قال: «لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.»

فلما رأى عمر الدم يسيل من رأس أخته وتبين إصرارها على دينها، وأيقن أن الشدة لا تجدي ولا تنفع، قال لها: «أعطني هذه الصفحة التي كنتم فيها تقرءون؛ لأنظر ما هذا الذي جاء به محمد»، فقالت فاطمة: «إنا نخشاك عليها.»

وأخذت فاطمة عليه المواثيق، واشترطت عليه أن يغتسل فيتطهر، وقد فعل، فأعطته الصفحة طمعا في إسلامه، ولكي يشعر بعظمة القرآن ويدرك معجزة القرآن، وينظر إلى نور القرآن، وليكون من عظمة القرآن ومعجزته ونوره سحر يأخذ بنفس عمر، فيخلصها من الشرك.

تناول عمر الصفحة من يد فاطمة، وتلا: «طه»، وهنا حدثت معجزة القرآن؛ إذ قال عمر: «ما أحسن هذا الكلام وأعظمه!»

وهنا خرج خباب من مخبئه، وقد طفرت من عينيه الدموع، دموع الابتهاج والفرح وهو يقول: اللهم إني أشهد أن هذه معجزة من معجزات الرسول.

لقد سمعته بالأمس يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب.» فالله، الله يا عمر.

وهنا يسأله عمر: «وأين أجد محمدا يا خباب؟» فأجابه خباب قائلا: إنك لتجده في بيت عند الصفا، هو «بيت الخيزران».

أتى عمر دار الخيزران وطرق الباب ، مرددا في صوت أجش ونبرات مختنقة: «أي محمد، يا ابن عبد الله، يا ابن بني عبد مناف.»

وكان النبي

صلى الله عليه وسلم

مجتمعا مع الصحابة الأجلاء داخل الدار، يتذاكرون في شئون الإسلام، وكان عدد الصحابة لا يزيد على العشرين، وكان منهم أبو بكر وحمزة وعلي وغيرهم من أصحاب الرسول

صلى الله عليه وسلم

ممن تسابقوا إلى تلبية الدعوة إلى اعتناق الإسلام بهداية الله.

وتسلل واحد من الصحابة حين سمع صوت عمر إلى باب الدار، وتطلع من ثقبه؛ ليتأكد إن كان هو عمر، فهاله أن وجد عمر متوشحا بسيفه، فعاد وهو يقول: «إن عمر يريد بنا الشر، فهو متوشح بالسيف.»

فقال حمزة (سيف الله القاطع): «لم الفزع؟ دعوني له، فإن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا فوالله الذي خلق السموات سبعا، والأرض سبعا، وما بينهما وما فوقهما وما تحتهما لأقتلنه بسيفه!»

وأخذ الصحابة يتسابقون إلى افتداء الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وكان حمزة أشدهم إصرارا، فقال له الرسول: اتركه لي يا حمزة.

ونهض

صلى الله عليه وسلم - وهو فارس الفرسان، وبطل الميدان - وفتح الباب، وأخذ عمر من ردائه، وجذبه جذبة وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعته!»

فقال عمر: جئتك لأؤمن بالله وبرسالتك وبما جاء من عند الله.

فقال الرسول: «الله أكبر! الله أكبر!»

وكانت هذه بشرى علم بها الصحابة وهم داخل الدار بإسلام عمر.

عمر والنور الإلهي

هذا هو عمر، ذلك البدوي الفظ الغليظ القلب في شركه، الذي وأد ابنته حتى ماتت، والذي كان لا يصحو من غشية الخمر، والذي حاول كما قدمنا قتل أخته وزوجها لأنهما أسلما! يعتنق الإسلام، ويصبح إلى جانب أبي بكر بمثابة السمع والبصر لرسول الله؛ إذ جاء في رواية للترمذي: «أبو بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر.»

حقا، لقد كان إسلام عمر فتحا مبينا، كما كان عهده العهد الذهبي للإسلام والدولة الإسلامية العربية، كان هو نفسه أعدل رجل أودعت في عنقه أمانة الحكم، كان أول أمير للمؤمنين، ذا صلة روحية عليا بخالقه، رأى بالنور الإلهي أن أحد جيوشه في فارس سيقضى عليه، فقال: «يا سارية، الجبل»، وكان العدو يحاول تطويق ذلك الجيش، فلما نبه عمر قائده «سارية» اعتصم بجيشه إلى الجبل، وجعله وراء ظهره ليحميه من الحصار والتطويق، وتمت للمسلمين الغلبة والانتصار.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٣٧