تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أجل، إن عمر كان ينظر بالنور الإلهي؛ فقد حدث في واقعة بدر أن المسلمين أسروا من قريش كثيرا من الأسرى، وأراد الرسول أن يشاور أصحابه في شأنهم، وكان أبو بكر رقيق الشعور، فنصح بالعفو عنهم، ولكن عمر قال: اضرب أعناقهم يا رسول الله، لا تأخذك فيهم رحمة.

وهنا قال الرسول ما معناه - وقد نزل الوحي مصدقا لقول عمر: «لو أن عذاب الله قد نزل بهذه الأمة ما نجا غير عمر»؛ إذ قد نزلت الآية الشريفة في هذه المسألة، تقول:

ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض .

وإذن فقد جاءت هذه الآية مؤيدة لرأي عمر، ولا عجب، أليس هو ينظر بنور الله؟

عظمة عمر

لم يحدثنا التاريخ منذ أبعد عصوره الغابرة، ولن يحدثنا في الأجيال المقبلة، بعظمة كعظمة عمر، فإنه ما من ملك من ملوك العالم، ولا إمبراطور من أباطرة الدنيا، ولا قيصر من القياصرة، ولا كسرى من الأكاسرة جمع المواهب العالية التي توفرت في عمر.

ولو زعموا أن قد كان هنالك في زمن من الأزمان ملك جمع عشر معشار مواهب عمر ومزاياه، فقد كان ذلك الملك، أو ذلك الكسرى ربيب حضارة ومدنية، أما عمر فقد نبت في الصحراء الجدباء، وسط جهالة وضلالة، فمن أين جاءت له العظمة في كل شيء؟ ومن هو ذا الذي يضارع عمر؟ إننا لا نرى من يدانيه في عدله، ولا في بطولته، ولا في شجاعته، ولا في حكمته، ولا في إدارته، ولا في سياسته، ولا في قيادته، ولا في عظمة دولته وإمبراطوريته.

عمر ينظم الدولة

عاد المدعي، فأخذ يربت على كتفي وهو يقول: «أفق يا هذا وردد الأدعية التي أتلوها، عليك.»

ثم أخذ يتلو، وأنا في شغل شاغل عنه.

كنت أرى بعيني مخيلتي عمر، وقد جمع مجلس الدولة الأعلى، وكان مؤلفا من: عثمان، وعلي، والعباس، وولده عبد الله، وبعض الصحابة أمثال: خالد بن الوليد، وعبيد الله بن الجراح، ويسألهم: هذا هو مال المسلمين يزداد بسعة الفتح، وقد بلغ ملايين الدنانير، فماذا عسى أن نصنع؟ إنه ليؤلف وزارة للمالية، ثم يجمع المجلس ويستشيره في تعيين عمال على الإيالات، وقضاة، ويجعل على أولئك مفتشين.

إنه لنظام في السياسة والإدارة، دقيق محكم، ليس كمثله نظام حتى في هذا العصر الذي زعموا أنه عصر العلم والحضارة العظمى.

كان أول ما أخذ عمر به نفسه ذلك العهد الذي قطعه على نفسه في أول خطبة بعد توليه الخلافة، فقد قال:

إنما مثل العرب كمثل جمل أنف اتبع قائده، فلينظر قائده أين يقوده؟ أما أنا، فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق.

التفتيش على الحكام

رأى عمر أن يجعل مصاريف سرية لقواد الجيش، وكانت تبلغ في بعض الأحايين عشرات الألوف من الدنانير، وقد بلغه أن خالد بن الوليد أنفق عشرة آلاف درهم قد منحها لأحد الشعراء، وهو الأشعث بن قيس، فأرسل إليه يعزله بعد التحقيق معه، فمن ذا عساه قد أرسل؟

إنه أرسل بلالا.

قال خالد: وأمسك بلال بعنقي وعقلني بعمامته وهو يقول: «إن أمير المؤمنين يريد أن يعرف كيف تنفق أموال المسلمين؟»

فقلت: «إنه من مالي الخاص.»

ولكن عمر يعزل خالدا، فسألوه في ذلك قائلين: «إن المال الذي أنفقه خالد هو من ماله الخاص، فلماذا تعزله؟» قال: «لكيلا يعتقد الناس أن النصر بيد خالد!»

ويرضى خالد بأن ينزل حتى يصير ضابطا بسيطا بعد أن كان قائدا، بل أميرا كبيرا من أمراء الجيوش، فالله أكبر! ما أعظم هذه الطاعة! بل ما أعظم عدل عمر وأبلغ حكمته. •••

وجاءت في حق سعيد بن حذيم والي حمص شكاية من الأهلين، فأرسل عمر في طلب رهط منهم، كما أرسل في طلب سعيد، واستوضحهم أسباب شكواهم في مواجهة واليهم، فقالوا: «إنه لا يخرج إلينا إلا بعد أن ترتفع الشمس قيد نخلتين، وإنه لا يخرج ليلا قط، وإنه يمتنع عنا من يوم الخميس عصرا إلى ما قبل صلاة الجمعة.»

وسكت سعيد، فالتفت إليه أمير المؤمنين عمر.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٣٨