صلى الله عليه وسلم
هلموا، فإن هؤلاء قد تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لن نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن بعضنا علينا اليوم والآخر غدا، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني ألكم اليوم.» فأمروه فعلا، وزال من نفوسهم ما كان من عوامل التفرق والتخاذل.
وإذن فإن من متانة خلق أبي بكر استمد ابن الوليد منها متانة خلقه، كما استمدها القواد والأجناد وعمال الإيالات وأمراؤها.
عفة نفس أبي بكر
إن جميع نواحي أبي بكر الخلقية باهرة فاخرة، فلقد مرت بأجمعها أمام مخيلتي، فبهرتني وملكت على نفسي، سيما عفة نفسه وعيشه على الكفاف، وزهده وتقشفه، حتى إنه يعزف عن أكل الحلوى لكيلا يرهق براتبه القليل بيت المال.
ذكرت قصته مع زوجه رضي الله عنهما حين اشتهت حلوا، وقال لها: «ليس لدينا ما نشتري به هذا الحلو.» فأجابته أنها ستقتصد من النفقة عدة أيام حتى يتجمع لها ما يمكن به صنع الحلو، فوافقها، ولما جمعت ما جمعت رده إلى بيت المال قائلا: «هذا يفضل عن قوتنا»، ثم أنقص بمقداره من النفقة المخصصة له.
وذكرت وصيته لابنته عائشة رضي الله عنها وقوله لها: «إذا أنا مت فردي إلى المسلمين صفحتهم، وعبدهم، ولقحتهم، ورحاهم، ودثارة ما فوقي اتقيت به البرد، ودثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف.»
بل لقد أوصى بأرضه بعد موته للمسلمين مقابل ما أخذه في حياته من أموالهم.
عفة نفس ما أجلها وأشرفها!
ولا عجب، فإن أبا بكر قد تنزه عن كل كبوة، وشهد له بذلك الرسول
صلى الله عليه وسلم
إذ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة غير أبي بكر .»
وفضلا عن ذلك فقد شهد له الرسول بالجنة، وبعتقه من النار، وأخبر بخلافته تلميحا حين قال لامرأة: «إن لم تجديني فإنك تجدين أبا بكر.»
وشهد أبو بكر مع الرسول المشاهد كلها، وأعتق سبعة عبيد كانوا يعذبون قبل عتقهم في الله، منهم «بلال»، الصحابي الجليل.
وكان أول من سمى ما كتب فيه القرآن مصحفا، وأول من سمي خليفة، وأول خليفة ولي وأبوه حي، وأول خليفة فرضت له رعيته نفقة.
وكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين العبد والحر. •••
شعرت بالمدعي وهو يهزني من كتفي ويقول: ما بالك يا هذا؟
قلت: ماذا؟
قال: إني لا أجدك تدعو شيئا.
قلت: كيف! ثم استطردت: «اللهم إني أودعت الشهادة بالوحدانية لله، والرسالة لمحمد، في هذا المكان الطاهر إلى يوم يبعثون.»
والتفت إلي المدعي قائلا: وهذا هو قبر عمر، إلى جانب قبر أبي بكر.
الباب الثامن
| خلافة أمير المؤمنين عمر
حقا، إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى، وقد دعا ربه أن يعز الإسلام بأحد العمرين، فكان أن أسلم عمر بن الخطاب.
نعم، ذكرت في تلك اللحظة كيف أسلم عمر بعد أن خرج من داره متوشحا بسيفه وهو يعتزم قتل الرسول، فإذا به بعد ساعات يعتنق الدين الذي يبشر به محمد، وإذا به بعد ذلك يضحي له ركنا ركينا، وحصنا منيعا.
في دار الخيزران
وهل تدري كيف أسلم عمر؟ هل تدري كيف انقلب ذلك الشر الذي كان يريده بالإسلام إلى خير ناله الإسلام بخلافة عمر؟
كان عمر في ذلك الوقت أشد ما يكون غضبا وموجدة على رسول الله، فخرج متوشحا بسيفه كما قلنا يبحث عن محمد وصحبه، فلقيه في الطريق نعيم بن عبد الله، فسأله عن وجهته، فقال: «أريد محمدا، أريد هذا الذي عاب ديننا، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، فأقتله.»
فقال نعيم: «لقد غرتك نفسك من نفسك! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا رجعت إلى أهل بيتك فقومت أمرهم؟»
فقال عمر مستنكرا: «ومن تقصد بأهل بيتي؟»
فقال نعيم: «أختك فاطمة، وابن عمك سعيد بن زيد، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك أولا بهما!»