تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكرت وأنا في ذلك الطريق الطويل ما كان عليه في الماضي من وعورة، وكم لاقى من وعورته صحابة محمد من الغزاة الفاتحين، وقد بعث بهم بالسرايا يدعون الناس إلى الإسلام، ثم ذكرت كيف كان محمد يدعو كل أمير على سرية إلى أن يبشر بالدعوة بالحسنى فلا يقاتل. فكانت القبائل والوفود تدخل في دين الله أفواجا حتى أعز الله الإسلام، ولم يعد أمام محمد إلا أن يعلم جيله، وبدأ بصحابته الذين كان يعلم أنهم سيكونون من بعده أساتذة الأجيال المقبلة، جيلا بعد جيل، فأتباع الصحابة تعلموا عن الصحابة، وتابعو التابعين تعلموا عن التابعين، وبذلك وضع محمد تعاليم الدين أساسا لملكه، فكان ملكه هو المثل الأعلى بين الأمم والشعوب، بل إنه قد غلب ملك كسرى، وملك هرقل، وملك المقوقس، وغالبت مدنيته جميع المدنيات وغلبتها.

وضع محمد قوانينه، فكانت وما زالت حتى اليوم خير القوانين وأدعمها أسسا، وأقواها أثرا، وأعمها نفعا. وضع قوانينه المستمدة من القرآن ، فنظمت الزكاة والمال والاقتصاد والصحة والزواج والطلاق والعتق والإرث وما إلى ذلك، بل إنه وضع كل تشريع ما زال الغربيون إلى اليوم يرجعون إليه ويستمدون منه إذا غم عليهم، وإذا ادلهمت أمورهم، وإذا سارت شئونهم في طريق الزلل والشطط والضلال.

الرسول يودع الدنيا

أدى محمد الرسالة، وأبلغ الأمانة بعد طول جلاد وجهاد، حتى لقد صعدت روحه إلى الرفيق الأعلى فتخير الآجلة على العاجلة. فلما قضت إرادة الله خرج على الناس فخطبهم، وتحلل منهم، وصلى على شهداء أحد واستغفر لهم، ثم قال ما معناه: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده.

وفهم أبو بكر قول الرسول، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا. فقال: على رسلك يا أبا بكر. ثم جمع رسول الله أصحابه فرحب بهم وعيناه تدمعان، ودعا لهم كثيرا، وقال: أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستحلفه لكم، وأودعكم إليه، إني لكم نذير وبشير، ألا تعلوا على الله في بلاده وعباده، فإنه قال لي ولكم:

تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين .

كيف توفي الرسول؟

روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: في آخر مرض رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، اضطجع في حجري، فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، فنظر إليه الرسول، فعرفت أنه يريد السواك، فعرضته عليه بعد أن مضغته ولينته، فتناوله بيده الشريفة، وأخذ يستن به بشدة، ثم ألقاه بجواره، وثقل علي فنظرت إليه، فإذا بصره قد شخص وأخذ يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة.»

فقالت عائشة: «خيرت فاخترت، والذي بعثك بالحق.» ثم توفي

صلى الله عليه وسلم ، فوضعت عائشة رأسه على وسادة، وأخذت تضرب وجهها.

وذكرت، وقد انتشر بين العرب من أهل يثرب نبأ الفاجعة، كيف قام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الناس، وقال: «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قد توفي، والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل إنه مات، والله ليرجعن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كما رجع موسى، وسأقطع أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مات.»

وذكرت كيف أقبل أبو بكر وقد كان متغيبا، فوجد عمر يخطب الناس، فمضى لا يلتفت إلى شيء حتى دخل المسجد، ثم أدخل على رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في بيت عائشة، فوجده مسجى في ناحية من البيت، وعليه برد حبرة، فكشف عن وجهه الشريف، ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك موتة بعدها أبدا، ثم رد البردة على وجهه

صلى الله عليه وسلم .

وخرج فوجد عمر لا يزال يهدد الناس ويتوعدهم ويرغي ويزبد، نافيا الموت عن الرسول، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، أنصت! ثم حمد الله وأثنى عليه وقال:

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٣٠