تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت،

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا .

ثم ذكرت كيف اندهش الناس حين سمعوا هذه الآية، فقد خيل إليهم أنهم لم يسمعوها إلا حين تلاها عليهم أبو بكر، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن عمر قال: كأني ما سمعت هذه الآية إلا حين تلاها أبو بكر.

وخر عمر على الأرض مغشيا عليه من هول الخطب، وشدة النازلة، ثم إذا أفاق من غشيته دخل على الرسول فوجده تحت الغسل، فأخذ يبكيه ويرثيه، قال:

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجزع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتها.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته، فقال عز وجل:

من يطع الرسول فقد أطاع الله .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده جل جلاله أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب، فقال تعالى:

عفا الله عنك لم أذنت لهم .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده سبحانه وتعالى أن بعثك آخر الأنبياء، وذكرك في أولهم:

وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده جل شأنه أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها معذبون:

يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا يتفجر منه الأنهار، فما ذا بأعجب من أصابعك حين نبع فيها الماء.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر، فما ذا بأعجب من البراق حين صعدت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى، فما ذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وقالت لك الذراع: لا تأكلني فإني مسمومة.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال:

رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، وقلت: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.»

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك، ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفئا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفئا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلا كفئا إليك ما واكلتنا، فلقد والله جالستنا، ونكحت إلينا ، وواكلتنا، ولبست الصوف، وركبت الحمار، وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك تواضعا منك.

بينما كنت أتمثل عمر رضي الله عنه يؤبن الرسول، ويودعه الوداع الأخير، وهو أشد ما يكون حزنا وألما، مرت بخاطري مناظر تلك الجموع الحاشدة؛ جموع الأنصار، وهم أبناء قبيلتي الأوس والخزرج، وقد عقدتا مؤتمرا حينما بلغهما وفاة الرسول. •••

وإنني أقف خاشعا، مأخوذ اللب، شارد الذهن، مذهولا أو أشبه بالمذهول.

وإني لأشعر بيد المدعي تربت على كتفي، وهو ما زال يتلو أدعيته، قائلا: ما لك لا تردد ما أقول؟

قلت: قل.

قال: قل. وأخذت أردد ما يقول، وهو: «السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام عليك يا سيدي يا حبيب الله، السلام عليك يا خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسيد ولد آدم على الإطلاق، اللهم إني أودعت شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله في هذا المكان المطهر الشريف، إلى يوم الحشد العظيم.»

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٣١