ولقد أتت له اليهودية بالشاة المسمومة، وعرفها وأقرت له، قالوا: أفلا قتلتها؟ فقال: لا. ولم ينتقم منها لنفسه. وسحره بعض اليهود، فأطلعه جبريل عليه، فاستخرجه وحل العقد، فوجد لذلك خفة ونشاطا، وما ذكر الرسول ذلك لليهودي ولا أظهره عليه. وكان الرسول يقبض للناس يوم خيبر من فضة من ثوب بلال، فقال رجل: يا رسول الله، اعدل. فقال: ويحك! فمن يعدل إذا لم أعدل؟ فقد خبت إذن وخسرت إن كنت لا أعدل. فقام عمر رضي الله عنه وقال: ألا أضرب عنقه، فإنه منافق؟ فقال الرسول: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
وجاء أعرابي يطلب شيئا، فأعطاه، ثم قال: أحسنت إليك؟ قال: لا، ولا أجملت. وغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا عنه، ثم قام
صلى الله عليه وسلم
ودخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئا، ثم قال: أحسنت إليك؟ قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. وقال الرسول لأصحابه: إني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار.
إنه محمد النبي الرحيم بأمته من المؤمنين، فما أراد لهم إلا الخير، وإلا الرحمة من الله، مهما ينله من أذى، حتى لقد كان يقول: «رحمه الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر.»
وكيف لا يعفو رسول الله محمد وقد أدبه ربه بالقرآن، فقد ورد عن سعد بن هشام، قال: دخلت عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن أخلاق الرسول
صلى الله عليه وسلم ، فقالت: ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: كان خلق رسول الله
صلى الله عليه وسلم
القرآن، وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ، وقوله:
واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ، وقوله:
فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين .
ولما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد، وجعل الدم يسيل منه وهو يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ أنزل الله عليه الآية:
ليس لك من الأمر شيء ، فهو إذن أفضل من أدب بالقرآن وأدب به؛ ولذلك قال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي.»
أجل، لقد كان الرسول المقصود الأول بالتأديب والتهذيب، ومنه يشرق النور على أمته وكافة الخلائق، لقد كان في حياته وأعماله وصفاته وأخلاقه دروس للناس في هذه الحياة، هذه الدروس التي كانت وما زالت خير المبادئ والتعاليم، فأصبحنا نتناساها حتى صرنا إلى ما نحن فيه من تأخر وتدهور وذلة وانحطاط وهوان. •••
وتمثلت الرسول
صلى الله عليه وسلم
وقد أمن أهل مكة وهو يطوف البيت، فلما دخل الكعبة ورأى فيها الأصنام أخذ يكسرها وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.» وكان بيده الشريفة قضيب، فما أشار به إلى صنم من أمامه إلا استلقى على قفاه، أو من خلفه إلا انكب على وجهه، ورأى فيها صورة إبراهيم وفي يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام! ثم أمر بتلك الصور فطمست.
وقام الرسول على الصفا يدعو الله تعالى ويحمده على هذا الفتح المبين، وقد أحدقت حوله الأنصار، فقال بعضهم لبعض: أتظنون أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يرجع إليكم وقد فتح الله عليه أرضه وبلده؟
فلما فرغ الرسول من دعائه قال: ماذا تقولون يا معشر الأنصار؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال
صلى الله عليه وسلم : معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم.
بينا كانت كل هاتيك الخواطر عن هذه الحادثات الخالدات تمر سراعا أمام عيني مخيلتي، كنا قد وصلنا إلى جدة، ومنها واصلنا السير إلى يثرب في ذلك الطريق المعبد المجاور للبحر، وقد أخذت السيارة تقطعه في سرعة وسهولة، وقد زاد متعة النفس ما كنت أشاهده من مناظر طبيعية، لا أغالي إذا قلت إنها أبدع ما صنعته قدرة الخلاق في هذا الكون؛ مناظر متمازجة أيما تمازج بين ماء وسماء وصحراء، فسبحان المبدع الأعظم!