تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك دأبت - وما زلت أدأب - في تنبيه قومي من المصريين، ثم إخواننا الشرقيين، إلى ضرورة الاستمساك بمبادئ الدين وتعاليمه، وأهمها العمل على نشر الأخلاق الكريمة؛ مبعث الفضائل جميعها.

وما رحلاتي السنوية إلى البلاد المقدسة في مواسم الحج، ووصفها، والكتابة عنها، ونشرها في كتب متعاقبة، إلا عملا أحاول به أن أعطي لمواطني الكرام أقوى الأدلة وأقطع البراهين على أن عظمة الأمم بعظمة الأخلاق.

وماذا عسى في البلاد المقدسة «بلاد الحجاز» غير رمال وصحراوات؟!

فكيف إذن نشأت في تلك الرمال والصحراوات أمة دانت لها رقاب سائر الأمم؟ وخرجت منها مبادئ ما زالت وستظل أبدا عقيدة مئات الملايين من البشر؟

حقا إن الأمة العربية الضاربة في صحراوات الحجاز ما كانت لتسود العالم إلا بفضل تعاليم دين هو الدين الإسلامي ومبادئه القويمة؛ فقد جاء خير شريعة لتنظيم هذا الكون.

رحلة الحجاز

وإن رحلة الحجاز لا تكلف المرء إلا القليل من المال والوقت، فعلى القادرين من مواطني وإخواننا الشرقيين أن يزوروا مكة في موسم الحج ليروا رؤيا العين كيف أن تلك الرمال، وتلك الصحاري، أنشأت أمة بزت في حضارتها سائر الحضارات، وشعت على العالم من دينها نور العلوم والفنون، ووضعت أمام أنظار الأمم، من بعد، أنموذجا هو المثل الأعلى لمكارم الأخلاق.

ويقينا، إن زيارة بلاد الحجاز سيكون لها شأن في إلباس أصحابها لباس التقوى، فيعودون إلى ديارهم بأرواح مطهرة، وقد انطوت نفوسهم على الطهر والصلاح. •••

وإذا كان الذي يتوجه إلى الله في الصلاة، أو ذاك الذي يزور ضريح أحد الأولياء الصالحين، يشعر براحة تسري في جميع جوانحه، ويحس بروحه محلقة في آفاق هنيئة مجهولة منه، فما بالنا بمن يرى البيت العتيق ويطوف به، ويصلي في مقام إبراهيم، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف على عرفة، ويرجم الشيطان في منى! نقول: فما بالنا بمن يؤدي فريضة الحج كاملة!

إنه ولا ريب يدرك من طبيعة البلاد سر سيادة الأمة العربية التي ما جاءت إلا عن طريق تعاليم دين لحمته وسداه إصلاح حال الأخلاق، فهي القادرة وحدها على تكوين أمم قوية الجانب، مهيبة السلطان. •••

ففي سبيل تحقيق الغاية الشريفة التي أسعى للوصول إليها، وهي الحث على الاستمساك بمكارم الأخلاق، أطلع على مواطني وإخواني الشرقيين بهذا الكتاب، والله المستعان.

وإنه تعالى ولي التوفيق.

إمام

الباب الأول

| هيا يا نفسي إلى «الحجاز»!

جمال بلاد الحجاز

في أبدع أيام الشباب وسنواته اليانعة إيناع الورود، في نحو العشرين من العمر الباسم الضاحك، كنت في القطار المسافر من «تريستا»، وكانت وجهتي «فيينا» للدرس والتحصيل في جامعتها المشهورة، وكنت لم أغب من قبل عن محيط مصر، فلم تألف عيناي من مناظر الطبيعة ومشاهدها الجميلة إلا مناظر الريف، وهي مناظر وديان سندسية الثرى والرقعة، فوقها سماء صافية زرقاء فاقعة الزرقة، ذات أفق ممتد طويل.

ولكن ما كاد القطار يعبر بي الحدود الإيطالية النمساوية عند «فيللاخ» و«فيلدن» حتى انتابت نفسي نشوة من الانشراح والجذل، ثم لم أشعر إلا وأنا أهتف من الأعماق قائلا: «يا إلهي!»

حقا لقد كان المنظر الذي شاهدته عيناي منظرا أخاذا للقلوب، مبهجا للأرواح.

كان منظر بساط أخضر فاقع الخضرة، في سعة بسط سليمان، يباهيه ويتيه عليه صنو مثله، ولكن في لون أخضر قاتم الخضرة، يمتد في وسط التلال التي لا يكاد يدركها الطرف، وأكواخ متناثرة تناثر النجوم، ذات سقف حمراء داكنة الحمرة، وتنتشر تلك الأكواخ بين حقول نبتت فيها أزهار جل من افتن في صنعها، ومن به عليها من شكول هي أبدع الألوان.

وإذن، فكيف لا يأخذ ذلك المنظر بمجامع الألباب؟! •••

وها أنا ذا بين رمال الصحراء، وسمائها ذات السراب، وقد مضت ساعتان ونصف ساعة منذ خروجي من جدة في طريقي إلى مكة لأول مرة زرت فيها الأراضي المقدسة، أراضي الحجاز، وقد وقع نظري على أول مبنى من مباني مكة، هو في أمثاله شبيه بالملايين، ولكن ماذا عسى أن أقول في وصف تأثيره في نفسي، فإني لأشعر بالعجز عن الوصف حتى إذا قلت إنه بلغ إلى أعمق مما بلغه منظر «فيللاخ» و«فيلدن».

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٢