وخرج الرسول
صلى الله عليه وسلم
من المدينة ومعه جيشه العرمرم، وكان مؤلفا من المهاجرين والأنصار، وغيرهما من طوائف العرب، وسار حتى قارب مكة، وخشي العباس عم الرسول أن تهلك قريش إذا ما دخلها جيش محمد فاتحا، فركب بغلة الرسول وقال: ليتني أجد رجالا يعلمون قريشا بخبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فيأتونه ويستأمنونه، وإلا هلكوا عن آخرهم، وسمع العباس صوت أبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، وكانوا قد خرجوا يتجسسون، فقال العباس لأبي سفيان: أبا حنظلة! فقال: أبا الفضل! قال العباس: نعم. قال أبو سفيان: لبيك فداك أبي وأمي، ما وراءك؟ فقال العباس: لقد أتاكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وعشرة آلاف من المسلمين. قال أبو سفيان: وما تأمرني به؟ قال العباس: تركب معي لأستأمن لك رسول الله وأن لا يضرب عنقك. وتمثلت الرسول قد مثل أمامه أبو سفيان بن حرب ومعه العباس، قال الرسول: يا أبا سفيان، أما آن أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال أبو سفيان: ويلي. قال الرسول: ويحك! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول؟ قال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، أما هذه ففي النفس منها شيء. فقال له العباس: ويحك! أسلم قبل أن نضرب عنقك. فأسلم، وأسلم معه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، فقال الرسول للعباس: اذهب بأبي سفيان إلى مضيق الوادي ليشهد جنود الله. فقال العباس: إنه يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال
صلى الله عليه وسلم : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن.»
ورجع العباس بأبي سفيان إلى مضيق الوادي كما أمره الرسول، وأخذت قبائل المسلمين من كتائب جيش الفتح تمر واحدة بعد الأخرى، وأبو سفيان يسأل العباس عن كل قبيلة، وهو يعلمه، حتى وصل رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق من الدروع والسلاح، فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ فأجابه العباس: رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما. فأجابه العباس: إنها النبوة ... فقال أبو سفيان: نعم. قال العباس: إذن فالحق بقومك فحذرهم.
رأيت بعيني مخيلتي وقد انطلق أبو سفيان وهو يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ... قالوا: فمه؟ قال: فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: ويحك! فما تغني دارك عنا شيئا. قال: فمن أغلق عليه باب داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن.
وتخيلت كيف تفرق قريش إلا الأقلون إلى دورهم وإلى المسجد حتى يكونوا آمنين، ثم تمثلت الرسول
صلى الله عليه وسلم
وهو يدخل بجيشه مكة من جميع نواحيها، وقد ركب ناقته وهو يقرأ سورة الفتح، ولما مكن الله رسوله من رقاب قريش، قال لهم: «ما تروني فاعلا بكم؟» قالوا: خيرا.
وقام سهيل بن عمرو، وكان من رؤساء قريش، وقال: يا محمد، أنت أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فإن عذبتنا فبجرم عظيم، وإن عفوت عنا فبحلم قديم.
وتبسم الرسول
صلى الله عليه وسلم
في وجوههم وقال: «بل أقول مثل ما قال أخي يوسف عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، فاذهبوا فأنتم الطلقاء.»
الله أكبر، إن رسول الله يعفو عن قريش، ولكم آذوه من قبل وعذبوه، بل حاولوا أن يتعاونوا على قتله، ولكنه يعفو عنهم. حقا! إنه لعلى خلق عظيم، ومن غيره كان أحلم الناس وأرحم الناس؟! ومن غيره كان أرغبهم في العفو عند المقدرة؟! حتى لقد أتي في يوم بقلائد من ذهب وفضة قسمها بين أصحابه، فقام رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد ... والله لقد أمرك الله أن تعدل، فما أراك تعدل! فقال الرسول: ويحك! فمن يعدل عليك بعدي؟! فلما انصرف الأعرابي قال الرسول: ردوه علي رويدا. ثم أرضاه ولم يسخط عليه ولم ينهه.