تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو بكر: إن شئت فأفض بهذه الخواطر إلى الرسول.

ودخل عمر رضي الله عنه على رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وهو يقول: يا رسول الله، ألم تعدنا بأننا سنطوف البيت؟ أولست أنت رسول الله؟ أوليسوا هم المشركين؟ إذن فما هذا؟

وقد كان في مقدور محمد أن يعلنها حربا شعواء على قريش، فيقضي عليها قضاء مبرما، فتغدو كعصف مأكول! ولكن الله سبحانه وتعالى كان يريد خيرا بالإسلام، كان يريد أن ينتفع الإسلام ببعض عظماء قريش ممن لم يكونوا قد دخلوا في دين الله بعد.

فلما ألح عمر رضي الله عنه على رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بدخول مكة، مستنكرا عقد الصلح بين المسلمين وأهل قريش المشركين، قائلا: لماذا نقبل على صلح فيه هوان؟ وعلام نعطى الدنية في ديننا؟ أولست كنت تحدثنا أننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال رسول الله: أوأخبرتك أننا سنأتيه هذا العام؟ أنا عبد الله ورسوله، فلن يضيعني.

وعقدت المعاهدة بين محمد وقريش، وهي تنص على ما يلي:

أولا:

أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين.

ثانيا:

أن من يأتي محمدا من قريش بغير إذن وليه، يرد إلى قريش.

ثالثا:

أن من يجيء قريشا ممن كان مع محمد، لن يردوه عليه.

رابعا:

أن بين الطرفين عيبة مكفوفة، صدور لا تنطوي على غل، وأنه لا إسلال ولا إغلال (أي لا سرقة ولا خيانة).

خامسا:

أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

سادسا:

أن محمدا يرجع عامه هذا، فلا يدخل مكة، وفي العام المقبل تخرج قريش من مكة ويدخلها محمد.

ثم انتهت المعاهدة إلى هذا الحد، واستقر الأمر وانحسم النزاع، وخرج رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إلى صحبه وجيشه قائلا: «أيها الناس: أما ما أهمكم من العهد، فإن من ذهب إليهم فلا حاجة لنا به، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا. وأما البيت فإنكم إن شاء الله مطوفون به في قابل، وما فعلت ما فعلت عن أمري، وإنما عن أمر الله، وهو نصيري ولن يضيعني ...»

ثم دعا الحلاق فحلق، وعمد إلى البدن فذبح وتحلل من الاعتمار، واقتدى به الجيش، ورجعوا إلى يثرب، ولكنهم كانوا في لهفة على البيت والطواف حوله.

تمثلت أمام عيني مخيلتي كل هاتيك الحادثات، وما كان يلقاه الرسول

صلى الله عليه وسلم

في سبيل نشر الدعوة الإسلامية من إرهاق وإعنات؛ إذ كان في الاستطاعة - وقد عقد معاهدة مع قريش على أن تضع الحرب أوزارها بينه وبينهم عشر سنين - أن يستريح

صلى الله عليه وسلم

من قريش، ولكن سرعان ما عادت بي الذاكرة إلى ما أعقب ذلك من أحداث، فذكرت كيف نقضت قريش عهدها، فصار الرسول في حل من نقض ذلك العهد.

كانت قبيلة بني بكر في عقد قريش وعهدهم، وكانت قبيلة خزاعة في عقد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وعهده، وكانت بينهما حروب، فبعثت بنو بكر خزاعة فقتلوا منهم عشرين، وعاونتهم قريش بالرجال والسلاح، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه، حتى قدموا على الرسول في المدينة مستغيثين به، وقد وقف عمرو بين يديه

صلى الله عليه وسلم

وهو جالس في المسجد، وأنشده أبياتا أخبره فيها بما كان من أمر قريش ونقضها عهده، وهي:

لاهم أني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فوالدا كنا وكنت الولدا

وواحدا كنت وكنا العددا

إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وزعموا أن لست تدعو أحدا

وهم أذل وأقل عددا

هم بيتونا بالوتير همدا

وقتلونا ركعا وسجدا

فانصر هداك الله نصرا أبدا

وادع عباد الله يأتوا مددا

تمثلت الرسول بعد أن سمع هذه الشكاية الأليمة وقد دمعت عيناه، قال: لا ينصرني الله إن لم أنصر بني كعب (خزاعة) بما أنصر به نفسي.

وعمت الشكايات من قريش وإيذائهم للمسلمين، فجيش الرسول جيش النصر؛ إذ جمع من المسلمين عشرة آلاف مدججين بالأسياف والدروع، وكل أداة من أدوات الحرب والطعن والنزال.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٢٧