تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو بكر: ماذا تريد؟

قال سراقة: أنا سراقة بن مالك بن جعشم.

فقال الرسول لأبي بكر: قل له وماذا تبغي؟

قال سراقة: تكتب لنا كتابا، يكون آية بيني وبينك، فوالله لن أبوح بأي شيء تكرهانه.

فكتب له الرسول

صلى الله عليه وسلم

الكتاب.

ولما عاد الرسول إلى مكة فاتحا قدم سراقة الكتاب، فتعرف به عند بئر جعرانة. •••

ذكرت سراقة بن مالك بن جعشم، وقد أخذ على نفسه عهدا بأن لا يفشي أمر الرسول، وذكرت في الوقت نفسه كيف أن ذلك الجني كان يطوف كما قدمنا معلنا نزول الرسول

صلى الله عليه وسلم

في ضيافة أم معبد، فما كان من قريش إلا أن سارعوا إلى مكان تلك العجوز المضياف، وقد سألها كبيرهم: هل مر بك محمد؟ - لا أعرف صاحب هذا الاسم، وإنما نزل بخيمتي أربعة، منهم حالب الشاة الحائل.

فعادت قريش أدراجها.

وانطبعت في ذهني تلك المعجزة الخالدة، معجزة الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وهي: حلب الشاة الحائل، فإنه حين أقبل النبي على خيمة أم معبد سألها أبو بكر رضي الله عنه: هل لديك أيتها العجوز الكريمة ما يسد جوعنا؟ فقالت أم معبد في حيرة وألم: هذه شاتي، ليس لي غيرها أقدمه.

وكانت شاة حائلا غير حلوب، فتناول الرسول

صلى الله عليه وسلم

ضرعها، وسأل الله سبحانه وتعالى القدير أن يجعلها حلوبا، فدرت اللبن، وارتوى الرسول وصحبه، وبقي من اللبن قسط وافر لأم معبد.

واستمر آل معبد يؤرخون سنيهم من يوم قدوم الرجل المبارك. •••

وتطلعت بعيني مخيلتي، فرأيت قافلة الرسول تسير شمالا، وقافلة أخرى تقبل على الجنوب، وكانت الأخيرة قافلة كبرى، وقد خرجت من المدينة لملاقاة الرسول وقد تزودوا بالسلاح لحماية النبي مما عسى أن يتهدده من خطر لحاق قريش به، ومما عسى أن يلحق به من أذاهم.

الله أكبر!

وهل كان رسول الله في حاجة إلى نصرة أحد وقد كان الله ناصره، وكان في عونه وتأييده أبد الآبدين!

تمثلت في مخيلتي صورة رائعة، الروعة كلها بمعناها ومبناها؛ هي صورة أهل المدينة وهم يستقبلون الرسول في أفراح زمرا وجماعات، بعد أن نبههم رجل يهودي وقف على أطم من آطام المدينة مترقبا الرسول، فلم يملك نفسه أن صاح: يا معشر العرب، هذا صاحبكم الذي تنتظرون.

كان الركب النبوي الشريف يسير وسط أفراح أهل المدينة، وتكبير الأنصار وتهليلهم، حتى لقد خرجت النساء من خدورهن وهن يزغردن وينشدن أنشودتهن الحلوة الخالدة:

طلع البدر علينا

من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا

جئت بالأمر المطاع

وفي رواية أخرى أنهن أنشدن:

أشرق البدر علينا

واختفت منه البدور

مثل حسنك ما رأينا

قط يا وجه السرور

وكذلك خرجت جواري بني النجار (أخوال الرسول)، وأخذن ينشدن:

نحن جوار من بني النجار

يا حبذا «محمدا» من جار

وقد سر

صلى الله عليه وسلم

من نشيدهن، وسألهن: أتحببنني؟ فقلن: نعم.

فقال: وإني أحبكن.

وفي رواية أخرى: يعلم الله أني أحبكن.

تمثلت هذا الاستقبال الرائع وتساءلت في نفسي: هل هذا استقبال ذلك الرجل المضطهد من قومه، الفار من قريش؟

وكان أكثر أهل المدينة لم يروا الرسول من قبل، فلم يتعرفوه من أبي بكر، وصارت النسوة تسأل بعضهن بعضا من منهما الرسول الكريم؟

فقالت يهودية: كيف لا ترونه؟ ليس هو ذلك الأبيض النحيف الخفيف العارضين الناتئ الجبهة، فهذا أبو بكر.

وقالت خزرجية: هو الآخر حقا! ما أبهى طلعته وأعظم وقاره! •••

من ثم تواردت على مخيلتي صورة رائعة مرت سراعا، فقد رأيت أهل المدينة يعرضون على رسول الله

صلى الله عليه وسلم

النزول في ديارهم واحدا بعد الآخر، ممسكين بزمام الناقة، وهو يقول: خلوا سبيل ناقتي فإنها مأمورة، فحيث بركت نزلت.

ورأيت بعيني مخيلتي الناقة تبرك حين أتت موضع المسجد وهو عليها، ثم نهضت دون أن تزجر، وسارت غير بعيد، وبركت تجاه دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فنزل الرسول هناك، وهي دار تقع شرقي المسجد .

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٢١