تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اركب فداك أبي

وفي الطريق إلى دار عبد الله دار حديث بين النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن ثمن الناقة التي أعدها الصديق للرسول، وقد أبى أن يركب ناقة ليست له، وكأني أسمع أبا بكر وهو يقول للرسول: اركب فداك أبي وأمي.

فيجيبه الرسول: إني لا أركب ناقة ليست لي، فما الثمن؟ - بكذا وكذا، وهو الثمن الذي ابتعتها به. - إذن فقد أخذتها به. - هي لك يا رسول الله.

في غار ثور

ورأيت بعيني مخيلتي الرسول وأبا بكر يعرجان على غار ثور يختبئان فيه، حتى لا يلحق بهما رسل قبائل قريش وعيونها وأرصادها.

رأيت العنكبوت ينسج خيوطه، ورأيت اليمامة تبيض وقد احتضنت بيضها على باب الغار.

ورأيت بعد قليل بضعة من الأعراب وقد قال قائلهم: هيا فلندخل هذا الغار، علنا نعثر عليه فيه.

وسمعت أحدهم يجيب: ولكن هذا الغار مهجور من زمن طويل، وها هو ذا العنكبوت ناسجا خيوطه على الباب، وأكثر من هذا أني أرى يمامة! أكبر الظن أنها محتضنة أفراخها.

ورأيت هذا النفر من الأعراب يعدلون عن الدخول، ويواصلون سيرهم في اقتفاء أثر الرسول.

وفي تلك الهنيهة نفسها رأيت بعيني مخيلتي أبا بكر وقد أوجس خيفة من أن يدخل كفار قريش الغار، اشتد حزنه على الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وسمعته يقول: إن قتلت أنا فأنا رجل واحد، وإن قتلت أنت فقد هلكت الأمة. وسمعت الرسول يجيب: لا تخف، فإن الله ثالثنا. •••

لقد ذكرني موقف نبي الله وثقته في الله، قوله تعالى وهو أصدق القائلين:

من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ...

الآية.

إذن فقد كان الرسول

صلى الله عليه وسلم

واثقا حين الهجرة من أن الله ناصره ، فلا غرابة إذا قال لأبي بكر: لا تخف، فإن الله ثالثنا.

وذكرت إذ ذاك ما يروى عن يونس من أن أبا بكر حين فزع من صوت أبي جهل بن هشام، وسمع وقع الأقدام خارج الغار، حزن على ما عسى أن ينال الرسول من مكروه، فأنشد أبياتا من الشعر، قال:

قال النبي ولم يجزع يوقرني

ونحن في سدفة من ظلمة الغار

لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا

وقد توكل لي منه بإظهار

ثم قال:

حتى إذا الليل وارتنا جوانبه

وسد من دون ما نخشى بأستار

سار الأريقط يهدينا وأينقه

ينعبن بالقوم نعبا تحت أكوار

وذكرت بمناسبة الغار كيف أن أسماء وعبد الله ولدي أبي بكر كانا يتناوبان حمل الطعام إلى الرسول وأبيهما، متسترين بجنح الظلام وهما يدخلان الغار.

ثم انتقلت بي الذاكرة، بل نظرت بعيني مخيلتي إلى ذلك الجني الذي طاف مكة حين خفي على أسماء بنت أبي بكر وعلى من معها أمر الرسول وأبيها بعد خروجهما من الغار؛ طاف هذا الجني وهو ينشد قصيدة مطلعها:

جزى الله رب الناس خير جزائه

رفيقين حلا خيمتي أم معبد

لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم

وقد سر من يسري إليهم ويقتدي

ترحل عن قوم فضلت عقولهم

وحل على قوم بنور مجدد

وبهذه الوسيلة اطمأن آل أبي بكر وصحب النبي عليه الصلاة والسلام على الرسول، وعلموا أنه في طريقه إلى يثرب سالم.

مكافأة لمن يرشد

هال قريشا أن تغيب عنها أخبار محمد، فعينت مكافأة لمن يرشد عنه أو يأتيها بنبأ يقين عن الطريق الذي سلكه، وأخذت تزيد المكافأة حتى بلغت مائتي ناقة.

سراقة يغره المال

غرت سراقة بن مالك بن جعشم المكافأة، وسال لعابه عليها، فسولت له نفسه أن يقتفي أثر الرسول، فركب فرسه وأسرع إلى اللحاق بالمهاجر الأعظم صلوات الله وتسليماته عليه، وهو يقول في نفسه: والله لن أرجع إلا بنبأ عن محمد.

ولما قاربت الفرس المكان الذي يسير فيه الرسول ورفيقه، غاصت أقدام الفرس في الرمال، وكانت كلما حاولت إخراج أقدامها تخرج من الرمال لتعود منغرسة إلى أشد غورا مما كانت، حتى أيقن سراقة بنبوة الرسول، فأخذ يصيح قائلا: يا محمد.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٢٠