تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تمثلت الرسول

صلى الله عليه وسلم

وقد نزل بدار أبي أيوب سبعة شهور، بنى في خلالها المسجد الشريف، وبيتي زوجتيه سودة وعائشة رضي الله عنهما.

ثم تخيلت ذاته الشريفة وهو يشرع في البناء هو وأصحابه المهاجرون الأجلاء، والأنصار من أهل المدينة، تخيلته

صلى الله عليه وسلم

يأمر بقبور المشركين فنبشت، وبالنخل والشجر فقطعت ووضعت في قبلة المسجد، وجعل الأساس نحو ثلاثة أذرع من الحجارة، وبنى المسجد نفسه باللبن، وكان الرسول يبني معهم وينقل اللبن والحجارة.

تمثلت سيد الخلائق

صلى الله عليه وسلم

يبني مسجده بيده الشريفة، يعاونه أصحابه والأنصار، وهو يقول وهم يرددون:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة

فاغفر للأنصار والمهاجرة

وتم البناء.

ذكرت كل هذا وأنا قابع في أحد أركان السيارة، وقد شرد ذهني إلى تلك الأدوار التاريخية من هجرة الرسول

صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة فرارا من أذى قريش، وإتماما لتحقيق الرسالة ونشرها، وتثبيت دعائمها، وإذا بي أصحو فأجد نفسي على أبواب «المدينة».

داخل أبواب المدينة

نزلت من السيارة وترجلت؛ إذ ليس مما يجمل بالمرء أن يدخل مدينة الرسول راكبا، ولم ألبث إلا قليلا بعد أن تخطيت المناخة حتى عثر بي المدعي، فسارع إلي مجيبا، وقادني من يدي، فسرنا مرحلة يسيرة حتى صرت أمام المسجد النبوي الشريف، فقلت: «بسم الله،

ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله .»

ودخلنا إلى المسجد من باب السلام (وهو الباب الذي كان يدخل منه النبي

صلى الله عليه وسلم )، فما أسرع ما هب علي ذلك العبير الذكي، والعطر الفياح عبيق رياحين الجنة، وشذى رياض الفردوس.

وأخذت أردد في نفسي: «هبي يا رياحين الجنة! هبي! هبي يا نسمات الفراديس، هبي! هبي واشرحي الصدور التي وسوست فيها شياطين المدنية الفاسدة المضلة! هبي وطهري النفوس التي دنستها الشهوات البهيمية! هبي وغذي الأرواح التي لوثتها الرذائل الإنسانية الوحشية، هبي يا رياحين الجنة، هبي!»

وشعرت برهبة وخشوع يدب دبيبهما في حنايا نفسي؛ إذ كنت ماثلا أمام قبر الرسول

صلى الله عليه وسلم . هو شعور لا يمكن أن يزول عن نفس المرء ما دام أمام القبر النبوي الشريف. ولو أنك زرت مسجد محمد عشرات المرات في اليوم الواحد لكان شعور الرهبة في كل مرة هو نفسه الشعور الذي يتملك نفسك للمرة الأولى، بل إن نفسك لتشعر باللهفة على زيارة قبر الرسول المرة تلو المرة، وكلما زدتها إشباعا زادت لهفتها، واشتد التياعها شعاعا.

كانت جوارحي ومشاعري وجميع نفسي وأنا أمام قبر الرسول شيئا غير ما كنت عليه، كنت شارد الذهن، محلق الروح في عالم من الطهر والنور، كنت أمام قبر نبي ورسول قرن الله اسمه تعالى باسمه، ودونت أحاديثه وجميع أقواله كلمة كلمة، ونزل عليه كتاب ليس في العالم منذ نشأته، ولن يكون في الغد، كمثله كتاب! فيه الهدى واليقين، وفيه الرحمة، فيه أسمى المبادئ وأشرف التعاليم.

وقفت أمام قبر نبي ورسول تدين اليوم المئات من الملايين من أقصى المعمورة إلى أقصاها بدينه، دين الحق المبين، وكلما امتد الزمن، ومرت الحقب بعد الحقب زاد هذا الدين انتشارا، وانبلج نوره إشعاعا وإشراقا.

إن أي ملك من الملوك أو إمبراطور من الأباطرة حدثنا التاريخ عن عظمة ملكه واتساع سلطانه، لا يلبث هذا الملك أن يتضاءل، وهذا السلطان أن يزول بعد موته، أو حتى في أيام حياته.

وهذا الملك الزائل ملكه لا يلبث قليلا وهو في قبره حتى يختلط جسده بالتراب فيزول، ولا يعرف له جسد، أما محمد الثاوي في قبره المنير فسيظل رفاته فيه طاهرا مطهرا، بعيدا عن أديم الأرض، فلا يختلط بالثرى، سيظل قبره الشريف وروضته المنيفة مصونتين بقدرة الله ما دامت الشمس تشرق وتغرب، سيظل اسمه مشهورا ودينه منشورا ما دام الجديدان. أما محمد - وقد كان عدد أنصاره لا يزيد على عدد أصابع اليدين الاثنتين - فقد أسس إمبراطورية إسلامية شامخة البناء، سامقة، شماء، قوية الدعائم والأسس، مكينة الجدران والأركان، أكلت مدنيتها مدنيات أعظم أمم التاريخ القديم، ونعني: الفرس، والروم.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٢٢