ولقد كان في مقدور الرسول أن يظل في مكة، وهو في حماية الله وتأييده، ولكن مشيئة الله اقتضت أن تكون الهجرة؛ لأن الرسول
صلى الله عليه وسلم
كان مكلفا تبليغ الرسالة لقومه، ثم لسائر العالمين.
وفي الهجرة نشر للدين، ولعل من أبلغ دروس العظة ووجوب الكفاح في سبيل الله والخير هي الهجرة نفسها، فضلا عن دروس هذه الهجرة وما توصي به من تعاليم. •••
ذكرت إذن ما كان قد بلغ الرسول
صلى الله عليه وسلم
من أن زعماء قريش وسائر القبائل اجتمعت بدار الندوة
1
وتآمرت على قتله غيلة، واتفقوا فيما بينهم على أن يشترك واحد من كل قبيلة في هذا الجرم الكبير، حتى لا يستطيع أن يطالب بنو عبد مناف - وهم الأسود الأشاوس، فضلا عن عظم النسب وشرف المحتد - بالثأر من قبيلة بعينها، وحسبوا باطلا ونكرا أنهم سينالون محمدا ويبطشون به، وما علموا أن الله القوي القادر من جانبه يؤيده ويحفظه، وأنه سبحانه وتعالى ناصره، ومانع عنه كل مكروه.
تنفيذ أمر الله
نحن في مكة والوقت قبيل الفجر، بل الفجر نفسه، وقد أخذت جيوش الظلام تعدو هربا، وتكر القهقرى أمام جحافل الصبح المغيرة الداهمة، والهواء نسيم، وكأني أسمع أذان الفجر، وأسمع من يقول: «الصلاة خير من النوم.»
هب من مرقده رجل ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، لكنه إلى الطول أقرب، أزهر اللون، مستدير الوجه مع بعض تدوير فيه، ليس بالآدم ولا بالشديد البياض، وقد تناثرت على وجهه حبات هي عرق مندى أشبه باللؤلؤ، وأطيب رائحة من المسك الأزفر، بعيد ما بين المنكبين، رجل الشعر حسنه ، لم يجاوز شعره شحمتي أذنيه.
تطلعت بعيني مخيلتي إلى صفحة وجهه، فإذا هو أحسن الناس وجها، واسع الجبين، له نور يعلوه، كث اللحية، معتدل الخلق في السمن والنحافة، عريض الصدر، طويل الزندين، يمشي هونا ويخطو تكفؤا، إذا التفت التفت كله، ولا يولي عنقه، طيب الريح، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء.
هب الرجل من نومه فإذا به يردد: الله أكبر، الله أكبر! وإذا به يمثل أمام القبلة رافعا يديه إلى رأسه، رافعا نظره إلى سماء الحجرة، متهيئا للصلاة.
ونظرت بعيني مخيلتي إلى خارج الدار فإذا بأشباح تروح وتغدو حول هذه الدار، تخشى الافتضاح فتتستر بين تضاعيف الظلام.
وقد وصل إلى سمعي صوت واحد من هذه الأشباح، وهو بين ثلاثة من رفاقه يقول لهم: هيا ندهم الدار. فيجيبه آخر: «فيها بنات أعمامنا وننتهك حرمتهن؟! هذا لا يكون.»
وصلى الرجل وانتهى من صلاته، وحمد الله وأثنى عليه، ثم رأيته قبل أن ييمم شطر الباب يركع ويقبل غلاما نائما ويستودعه الله، ثم يفتح الباب ويأخذ من الأرض قبضة من التراب، ويلقي بها في وجوه الأشباح التي رأيتها وهو يقول: «شاهت الوجوه! شاهت الوجوه! ...» فعميت عن رؤيته تلك الأشباح، وغدت لا ترى أمامها شيئا.
وتتبعت بعيني مخيلتي ذلك الذي خرج من داره وقد أحاطت به جموع تتلألأ من النور، كأنها أحياء من الملائكة تسير في ركابه حراسا من عند الله.
وأخذ في السير، حتى أقبل على دار أخرى وطرق بابها، فسرعان ما انفرج عن رجل آخر، أقصر قامة من زميله، فاستقبله في أدب وإجلال، وأقرأه التحية الطيبة والسلام الزكي، ثم أغلق باب داره ورافق صديقه، وسار كلاهما جنبا إلى جنب، يخبان في مشيتهما الوئيدة المتزنة، وما زالت أجناد النور تحيط بالرجل المتعبد الذي يبدو أنه خرج من داره، ولا إخاله إلا مهاجرا بلده ومنبت رأسه، ومهبط طفولته الناضرة وصباه الباهر، في سبيل أمر جليل، وشأن عظيم.
سار الرجلان، فسمعت الرفيق الجديد يقول: لقد أعددت الراحلتين يا نبي الله، وهما الآن في دار عبد الله بن أريقط.
إذن هو محمد رسول الله، هذا الذي يهم الآن بمغادرة مكة خفية عن عيون قريش، اتقاء لأذاها، وطوعا لأمر الله! وبصحبته وزيره الأول أبو بكر؟