تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الروايات الصحيحة: أن هارون الرشيد أراد أن يرجع البناء إلى ما بناه عبد الله بن الزبير، ولكن الإمام مالك (صاحب المذهب المشهور) منعه من ذلك قائلا: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعل البيت ملعبة للملوك، لا يشاء الواحد منهم إلا نقض البيت وبناءه، فتذهب هيبته من صدور الناس.

قبيل مغادرة مكة

استولى على نفسي شعور من الحسرة، وجثم على صدري كابوس من الانقباض حينما كنت أطوف بالبيت الحرام طواف الوداع.

نعم، إن الطواف ببيت الله يبهج النفوس، ويشرح الصدور، ويزيل الكروب، ولكن معرفتي أن هذا الطواف هو آخر طواف في عامي هذا وسأودع مكة بعده، جعلت الحسرة تنتابني وتستولي على كل ما في نفسي.

وأي حسرة وايم الحق، وسأبتعد إلى حين عن هذا الجو المطهر المقدس الذي لا تسمع فيه لغوا ولا كذابا، بل لا تسمع فيه إلا ذكر الله يتردد على كل لسان، ولا يحيط بك إلا الطهر والإيمان، وكل ما يشعرك بمخافة الواحد الديان، ولا ترى فيه إلا الفضائل ومكارم الأخلاق.

أجل، بلد لا تصل إلى أذنيك فيه كلمة نابية أو لفظ كريه، بلد لا تقع عيناك فيه على منظر يجرح الشعور ويؤلم الإحساس، بلد لا ترى فيه امرأة سافرة كما ترى في مصر، امرأة تكاد تكون متجردة من الثياب، فالنحور والصدور والأذرع والسيقان، وكل ما ينبغي أن يكون محجوبا عن عيون الرجال، تكشف عنه في مصر ربات الحجال.

ولكن في ذلك البلد الطاهر مكة، وسائر بلاد الحجاز، لا ترى المرأة إلا وقد ائتزرت بمئزر أبيض فضفاض، لا يبدو منه إلا العينان تستدل منه على موضع قدميها وخطوهما.

وكيف أوازن بين بلاد الحجاز، وهي الأراضي المقدسة، وبين مصر وغيرها من البلاد التي تجري فيها الأحكام على سنن قوانين الغرب دون نصوص الشريعة الإسلامية السمحة.

فاللهم الطف بنا، إنك أنت اللطيف الرحيم الرحمن.

الباب الخامس

| في الطريق إلى يثرب

شعرت وأنا أهم بمغادرة مكة كم عز على الرسول

صلى الله عليه وسلم

مهاجرتها، وذكرت دعاءه إلى الله جل شأنه: «اللهم إنك أخرجتني من أحب الديار إلي، فأسكني في أحب الديار إليك.»

وكيف لا أشعر بعظم ما انتاب الرسول من الوحشة والألم لمفارقته مكة، والزائر العادي لهذا البلد الطهور المقدس لا يستطيع أن يبرحه دون أن يشعر بالوحشة والحزن! فكيف إذن - لعمر الحق - كان شعور الرسول وهو يغادر البلد الذي وصفه بأنه أحب الديار إليه.

لم يفارقني وأنا في السيارة شعور الوحشة الذي كان يتملك على نفسي، كلما فكرت في أني أبعد عن مكة، مع أني كنت أعلم أني في طريقي إلى يثرب، المدينة التي ليس أفضل منها مدينة من مدن الدنيا بحالها، فهي وإن بعدت عن العالم، وتوسطت صحراء بلقع جرداء، لا زرع فيها ولا ضرع، فهي مدينة أكلت المدن والأمصار، مدينة أطاحت بمدنية الفرس والروم، مدينة انحدرت منها أجناد الغزو بقيادة أبطال الفتح، متجهة إلى الجنوب والشمال، وإلى الشرق والغرب، فشعت على الكون نور الهدى، وأضفت على العالم نعمة الحضارة والفضائل والعلم والدين.

وإذا كان الله عز وجل قد كرم مكة بوجود بيته الحرام، ومولد الرسول عليه السلام، ونزول الرسالة عليه، والتبليغ والتبشير بخير دين؛ فقد خصت المدينة بقطعة قد انسلخت من الجنة، ألا وهي: الروضة التي بين القبر والمنبر، ثم بخير الأنصار، وبنشر الإسلام، وبسعة الفتح وامتداد السلطان، وفضلا عن هذا وذاك، بنزول التشريع الإلهي النبيل الغايات، الشريف المقاصد، السامي المبادئ، الصادق التعاليم، المنظم للمجتمع البشري خير تنظيم. •••

كان - حقا - عزيزا على الرسول الكريم أن يهجر مكة وفيها نشأ، وبين أعمامه من سادة قريش درج، وإن كان يعلم أنه مقبل على يثرب بلد أخواله الصادقين، وقد عز على نفسه

صلى الله عليه وسلم

أن يخرج من مكة اتقاء لأذى قريش، وصنوف إرهاقهم ومكارههم، وقد احتملها جميعا بصدر رحب، وجلد عظيم.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ١٨