تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخذت قريش في بناء البيت، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبلغ الحلم، وكان يحمل الأحجار إلى البنائين، وحدث بينما كان يحمل حجرا أن انكشفت عورته، فسمع من يقول له: خمر عورتك.

فلم ير عريانا من بعد طيلة حياته الشريفة.

وما إن بلغت قريش في بنائها موضع الركن حتى دب دبيب الشقاق فيما بينهم، واختلفوا على من ينال شرف رفع الحجر إلى موضعه، ومن أحق منهم بهذا الشرف، وأخيرا اتفقوا على تحكيم أول داخل البيت، فكان محمدا، وكان يسمى بالأمين.

وقالت قريش: «لقد ارتضيناك حكما يا «محمد»، فاحكم بمن هو أحق من القبائل بشرف وضع الحجر إلى مكانه!»

ووضع

صلى الله عليه وسلم

الحجر في ردائه، وأمرهم أن يشتركوا جميعا في رفع الرداء حتى ينالوا الشرف جميعا، فرفعوا الرداء وبه الحجر، ثم تسلمه الرسول ووضعه في مكانه. وكان

صلى الله عليه وسلم

يقبل الحجر، ولكن عمر رضي الله عنه كان كلما قبله يقول: اللهم إني أعرف أنك لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت محمدا قبلك، ما قبلتك. •••

ورابع من بنى الكعبة هو عبد الله بن الزبير، ابن أخت عائشة رضي الله عنها، وقد سمعها مرة تقول: سألت رسول الله

صلى الله عليه وسلم

عن الجدار: أمن البيت هو؟ قال: نعم. قالت عائشة متعجبة: وما السبب في عدم إلحاقه بالبيت ؟ فقال الرسول: إن قومك قصرت بهم النفقة. وعادت عائشة فسألته: ولم باب الكعبة يا رسول الله مرتفع؟ قال: فعلت قريش ذلك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة.

ولما كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قد حضر هدم الكعبة وبناءها، فقد كان يعرف أنها كانت أكثر مساحة بستة أذرع؛ إذ إن قريشا اقتصرت في النفقات.

وعلم عبد الله بن الزبير هذا الحديث، فوعاه وحفظه، حتى إذا نادى بنفسه أميرا ووهنت الكعبة من حريق غزوة أهل الشام لمكة المكرمة، قال عبد الله بين الزبير لقريش: اهدموا البيت معي! فامتنعوا، وخرجوا إلى منى مخافة أن ينتقم الله منهم إذا هم تعاونوا مع ابن الزبير على هدمها.

وهدم ابن الزبير الكعبة وبناها على النحو الذي رسمه رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في حديثه مع عائشة.

وعادت قريش إلى مكة المكرمة، فتعجبت كيف أن عبد الله بن الزبير ما زال على قيد الحياة وأنه لم يمسسه سوء! فلما علمت أن ابن الزبير ما هدم الكعبة وبناها إلا عملا بحديث نبوي شريف، ندمت على أنها لم تشترك مع عبد الله بن الزبير في هدم الكعبة وبنائها على النحو الذي رسمه رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في حديثه. •••

وحدث أنه لما هزم عبد الله بن الزبير وقتل، كتب الحجاج إلى عبد الله بن مروان يخبره أن عبد الله بن الزبير وضع البناء على أساس أقره العدول من أهل مكة.

لكن عبد الملك بن مروان رد على الحجاج بقوله:

أما بعد؛ فلسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاده فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، والسلام.

وقد فعل الحجاج بما أمر به عبد الملك بن مروان، ولكن لم يمض وقت طويل حتى علم ابن مروان أن ابن الزبير سمع من عائشة حديثا عن الرسول

صلى الله عليه وسلم

فأرسل عبد الملك إلى الحارث بن عبيد الله، أحد الصحابة الأجلاء، يسأله: هل عنده نبأ هذا الحديث؟

فقال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال عبد الملك: قل الحديث. قال: «قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ما معناه: إن قومك قد استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه. فأراها قريبا من سبعة أذرع.»

فقال عبد الملك: لو كنت سمعت هذا الحديث قبل أن أهدم البيت لتركته كما بناه ابن الزبير. •••

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ١٧