وكنا منذ بداية الطريق من عرفة إلى المزدلفة نرفع أصواتنا بالتلبية، فلما بلغنا المزدلفة نفسها دعونا: «اللهم إن هذه مزدلفة جمعت فيها ألسنة مختلفة، فاجعلني ممن دعاك فاستجبت له، وتوكل عليك فكفيته.»
وأدينا فريضة المغرب التي فاتت مع العشاء التي حلت، والعشاء ركعتان، والمغرب ثلاث.
وقضينا الوقت فيما بين العشاء ومنتصف الليل في تكبير وتسبيح وترديد الأدعية، حتى حان موعد الرحيل من المزدلفة، فتزودنا منها بتسع وأربعين حصاة. ولما انتهينا إلى المشعر الحرام، وهو آخر المزدلفة، دعونا: «اللهم بحق المشعر الحرام، والبيت الحرام، والشهر الحرام، والركن والمقام، أبلغ روح محمد منا التحية والسلام، وأدخلنا دار السلام، يا ذا الجلال والإكرام.»
في منى
ثم سرنا إلى منى، وقبل أن نأوي إلى خيامنا اتجهنا إلى الشيطان الأكبر بعد أن حلقنا في منى، فرجمناه بجمرة العقبة بعد أن وقفنا مستقبلين القبلة، وأخذنا نلقي عليه الجمرات السبع، رافعين الأيدي قائلين: «الله أكبر على طاعة الرحمن ورجم الشيطان، اللهم تصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك.»
وفي الليلة الثانية ألقينا سبع جمرات على كل شيطان من الشياطين الثلاثة، وأعدنا الكرة في الليلة الثالثة، ثم قصصت بعض شعرات من رأسي.
وبهذا أتممنا - ولله الحمد - جميع مناسك الحج، ولم يبق إلا الطواف حول البيت المعظم، والسعي بين الصفا والمروة.
وقد تخفى حكمة الرجم على عقول الكثيرين، فليس هناك أشد من وسوسة الشيطان إغراء بالعصيان، والتغلب على سلطانه ليس بالأمر الهين، فالحكمة في تكراره إشارة إلى وجوب محاربته على الدوام، حتى يتم للإنسان الغلبة عليه.
وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإنه حين هم بذبح ولده سيدنا إسماعيل جاءه الشيطان ووسوس له: لا تذبحه. فرجمه، وعاد إبراهيم لينفذ مشيئة الله، فعاد الشيطان إليه ووسوس له: لا تذبحه. فرجمه ثانيا، ثم عاد إبراهيم للمرة الثالثة يهم بذبح ولده، فوسوس له الشيطان: لا تذبحه. فرجمه ثالثة، مواصلا محاربة الشيطان، حتى جاءه الفرج من عند الله وحدث الفداء. •••
غادرنا منى بعد أن أقمنا فيها ثلاثة أيام، هي أمنية الحياة، متمنين على الله الكريم العودة إليها مرات ومرات، مرددين في نفوسنا نداء باعتها: «العودة يا منى، العودة!»
ولعل من أغرب الظواهر في منى، أنه على الرغم من كثرة ما يذبح فيها من الذبائح، وما يتخلف بها من بقايا، فإن الذباب والناموس معدومان فيها بفضل دعاء عمر رضي الله عنه، فلقد استجاب الله دعاءه، وإلا لهلك المئات من الحجاج في كل عام بعدوى الناموس والذباب.
الباب الرابع
| العودة إلى مكة
ولما عدنا إلى مكة طفت حول البيت العتيق سبعة أشواط، طواف الحج، مرددا الأدعية التي أشرت إليها من قبل، وكذلك سعيت بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
وإذن فقد قمت بجميع مناسك الحج، جعله الله حجا مبرورا.
فهل عرفتم الآن أيها القراء الكرام، كيف تصدق النية على الحج، وكيف عزمت وقلت: «لا بد من الحج.»
بين الأماكن المقدسة
لم تتح لي الظروف، وقد كنت كما شرحت لك بين الفوج الأخير من الحجيج، ولم يكن بيننا وبين موعد الحج بالصعود إلى عرفات إلا ساعات معدودات؛ لم تتح لي الظروف أن أزور الأماكن المقدسة في مكة بعد طوافي ببيت الله الحرام، وقيامي بالسعي بين الصفا والمروة، وهذه أولى مناسك الحج ومن أقواها دعامة وأركانا.
والآن وقد عدت إلى مكة بعد إتمام فريضة الحج، رأيت - مدفوعا بشعور روحي غريب - أن أسرع، فأمتع العين، وأغذي الروح بمرأى الأماكن المقدسة التي تتصل بذكريات الرسالة، والتي هي معالم دينية عزيزة لدينا نحن المسلمين أجمعين.
وفي مقدمة هذه الأماكن المقدسة المطهرة التي قصدت إليها، المكان الذي ولد فيه الرسول
صلى الله عليه وسلم .