وقفت فيه، وقد امتلأ قلبي بالخشوع وفاض بالإيمان، تمثلت في فكري وبدت في مخيلتي أولى الأضواء المحمدية التي شعت على الكون حين ولادة المصطفى، ثم استعرضت حياته - صلوات الله عليه وتسليماته - وهو طفل يتيم الأبوين، ولكن في رعاية عمه أبي طالب، ثم وهو غلام، وكيف اشتهر بين قريش بالأمانة والصدق، حتى لقد كان يسمى: بالصادق الأمين. وتمثلته مراهقا يمقت الأصنام ويكرهها أشد كراهية. وتمثلته قبيل النبوة حين كان يخلو إلى نفسه في «غار حراء»، بجوف الجبل، يتعبد ويناجي الواحد الخلاق.
هنا تاقت نفسي إلى زيارة ذلك الغار المقدس، فقصدت إليه، فإذا به على مسير خمس وعشرين دقيقة بالسيارة، وارتقيت الجبل، وإذا بي أستغرق ثلاث ساعات في ارتقائه حتى صعدت إلى قرب قمته، ونالني من الجهد ما يعدل بالكثيرين عن مواصلة الصعود، فيعودوا أدراجهم، وهناك ... وجدت الغار!
رأيت مكان الخلوة الطاهر الذي كان يجلس فيه الرسول الأمين يعبد الله قبيل النبوة، فقلت: «أشهد أن لا إله إلا الله حقا، وأشهد أن محمدا رسول الله صدقا.» عجبت، بل ذهلت حين فكرت: كيف كان محمد
صلى الله عليه وسلم
يقطع هذه المسافة الشاسعة، ويرتقي هذا العلو الشاهق من الجبل كل يوم مرتين، ويفعل ذلك شهورا.
لكني ذكرت قوة محمد الروحية التي تستهين بالصعاب، ولا تحفل المشقات. كيف لا، وقد أسرى ليلا إلى المسجد الحرام، وعرج على السموات السبع في لحظات!
وفي مقدمة الأماكن المقدسة إعزازا وتكريما: منزل السيدة خديجة زوجة الرسول رضي الله عنها، قصدت إليه، ووقفت في موضعه، فتمثلت في ذاكرتي، وبدت في مخيلتي صورة جلية للنعمة والجاه واليسار، وحب استثمار المال في التجارة، وهي أشرف المهن ولا مراء.
ومن الأماكن المقدسة التي يزورها الحجاج: جامع الجن الذي نزلت فيه «سورة الجن»:
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ...
الآية، وقد قصدت إليه وصليت فيه ركعتين تحية للمسجد.
ولست أغالي إذا قلت إن من الأماكن المقدسة التي ارتحت إلى زيارتها ونعمت روحي بمشهدها: «مسجد بلال»، وهو قائم على جبل أبي قبيس، وبجوار موضع انشقاق القمر، ومتاخم لمكة المكرمة من ناحية الحد اليماني.
وقفت أمام هذا الجامع خاشعا؛ إذ تمثلت لي هذه الشخصية العظيمة، كما تجلت لي عظمة الإسلام في ديمقراطيته، وقد جعل من بلال - وكان عبد أمية بن خلف - سيدا، له من الحقوق ما لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين.
أجل، لقد تمثلت لي ديمقراطية الإسلام بمعناها الصحيح وروحها الصريح حين ذكرت أن بلالا كان يجادل ويحاج في حرية تامة، وكان يؤخذ بآرائه، وترجح أقواله على أقوال شيوخ قريش، في وقت كانت تعتز فيه القبائل بعصبيتها، وتفاخر بأنسابها، وكرم أصلها، وعريق محتدها! فطوبى لهذه الديمقراطية الإسلامية الحقة!
وبجوار مسجد بلال انشق القمر، فدعوت: «اللهم صل على نبي هلل وكبر وانشق له القمر، وبدين الله أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، اللهم إني أودعت في هذا المكان الشريف الشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة.»
ومن الأماكن المقدسة التي يجدر بكل حاج زيارتها: «المعلا»، وهي مقابر مكة، وقد أوحت إلي زيارتها خلود العظمة وبقاءها، وبدا لي أن أساس الخلود هو العمل الصالح، هو العمل لخير الدين، وخير الوطن، وخير العالم أجمع؛ أي لخير الإنسانية.
أجل، نستطيع أن نشهد في مكة والطائف والمدينة قبور الكرام الصالحين، والأبطال العظام الفاتحين الخالدين، والعلماء الأجلاء النافعين، وأن تتمثل لك أعمالهم الصالحة، وبطولتهم الفذة، وتاريخهم المجيد، وسير حياتهم المليئة بالمفاخر، كما يتمثل لك خلود عظمتهم على مر العصور، وكر الدهور، وقل أن تجد قبرا من قبور معارضيهم.
ولائم التعارف
كانت ولائم التعارف التي يقيمها كرام العرب من الأعيان وذوي الأدب والفضل من أهل مكة لطوائف الحجيج من مصريين وغيرهم من أبناء الأمم الشقيقة الشرقية؛ كانت هذه الولائم تقام قبل القيام للحج على عرفة، وذلك حين تكتمل وفود حجيج بيت الله الحرام.