تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد لبى أبو نواس - وهو من نعرف في الدعابة والهزل والمجون - تلبية هي في نفسها وروحها الإيمان كله، فقد حدث أن كان أبو الحسن «أبو نواس» يحب جارية من آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكان في حبه لها صادقا، وكانت تسمى جنان، فلما اعتزمت الحج قال أبو نواس: أما والله لا يفوتني المسير معها والحج عامي إن أقامت على عزمتها، وقال في ذلك شعرا، هو:

ألم تر أنني أفنيت عمري

بمطلبها ومطلبها عسير

فلما لم أجد سببا إليها

يقربني وأعيتني الأمور

حججت وقلت قد حجت جنان

فيجمعني وإياها المسير

ولما أحرم أبو نواس وصعد إلى عرفات في ليلة التاسع من شهر ذي الحجة جعل يلبي بقوله:

إلهنا ما أعدلك

مليك كل من ملك

لبيك قد لبيت لك

لبيك إن الحمد لك

والملك لا شريك لك

والليل لما أن حلك

والسابحات في الفلك

على مجاري المنسلك

ما خاب عبد أملك

أنت له حيث سلك

لولاك يا ربي هلك

كل نبي وملك

وكل من أهل لك

سبح أو لبى فلك

يا مخطئا ما أغفلك

عجل وبادر أجلك

واختم بخير عملك

لبيك إن الملك لك

والحمد والنعمة لك

والعز لا شريك لك

بهذا الشعور الروحي الفياض بالإيمان والعبودية للخالق لبى أبو نواس، فما أروع موقف عرفات وما أطهره!

ما أجل وما أعظم! إن مئات الألوف من الخلائق وقوف في عرفات يبتهلون إلى الخلاق الواحد الأحد، الفرد الصمد.

ونظرت إلى الأفق المترامي، وقد صحا الجو وصفت السماء إلا من بعض سحب خفيفة كانت منتشرة هنا وهناك، فخيل إلي أن قد ارتسمت من هذه السحب كلمة الجلالة! ولم لا؟ وهذه الخلائق تدعوه وتبتهل إليه، جل شأنه، فكيف لا يجيب الله سؤلها وقد قال:

ادعوني أستجب لكم .

ولا معالم في عرفات إلا الجبل، ومجاري عين زبيدة، وما خلا ذلك وتلك فسماء وصحراء.

أما السماء فقد كانت كما وصفت لك، كانت صافية، يحكي صفاؤها صفاء قلوب المسلمين من حجاج بيت الله الصالحين، وأما الصحراء ومنها الجبل فقد ضمت أولئك جميعا، وهم بين شيوخ ورجال وشبان ونساء وفتيات، من مصريين ، وعرب، وهنود، وجاويين، وفلسطينيين، وسوريين، تجمع بين كل أولئك وحدة الدين ووحدة الإيمان، ووحدانية الله المعبود. فهم في عرفات، وعلى جبل عرفات، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا.

لكن المسلمين مع الأسف لم يفكروا في الاستفادة من هذه الوحدة، فقضوا القرون سنة بعد سنة، وجيلا بعد جيل على عرفات في أكل وشرب وتعبد.

نعم، لم نفكر في الاستفادة من هذا الاجتماع العظيم للتآلف بين المسلمين من كافة الأجناس والأقطار، حتى يرقوا شئونهم من الوجوه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأدبية.

عين زبيدة

أما عين زبيدة الممتدة مجاريها في عرفات فهي أثر خير أسدته الملكة زبيدة - طيب الله ثراها - برا بالحجازيين والحجاج، بعد أن أدت فريضة الحج، ورأت شدة حاجة أهل الحجاز إلى الماء، فكلفت المهندسين بإنجاز مشروعها الخيري العميم النفع، العظيم الأثر، وهي الملكة المسلمة الوحيدة التي خلدت اسمها على الأجيال والقرون.

وقد كلفها هذا المشروع الجليل خمسة ملايين دينار، وهو ما يعادل ثلاثة ملايين ونصف مليون من الجنيهات.

وفي أعمال البر والخير فليتنافس البررة الخيرون.

إلى المزدلفة

وتركنا عرفات في خير الأوقات، وهو ما قبل الغروب، فقد ركب الرسول

صلى الله عليه وسلم

حتى أتى الموقف؛ أي عرفات، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى اصفر قرص الشمس، فأردف أسامة بن زيد خلفه، وولى وجهه شطر المزدلفة.

رحلنا عن عرفات متعجلين حتى ندرك الصلاة في المزدلفة؛ فقد ثبت أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

صلى المغرب مع العشاء فيها، ولا ضير في أن يجمع الحاج بين الصلاتين.

ولقد كانت صلاتنا في عرفات صلاة قصر؛ إذ كنا نجمع مع الظهر العصر جمع تقديم، ونجمع مع العشاء المغرب جمع تأخير، وهذا تيسير من الله سبحانه وتعالى.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ١٣