لكن لا عجب، فإن الحجاج إلى بيت الله الحرام هم ضيوف الله.
كنا نرى مئات السيارات وآلاف الجمال وآلاف الخيل والبغال والألوف المؤلفة من المترجلين، الكل قاصدون إلى عرفات، والكل متجهون بقلوبهم وأفئدتهم وجوانحهم وحواسهم إلى معبود واحد، هو الله، يناجونه بنداء واحد ليس أفضل منه دعاء، هو: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك .»
وذكرت وأنا شارد اللب مأخوذ القلب، سابحة نفسي في ملكوت الكون، كيف استجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام، فحمل تلك الأفئدة على أن تهوي إلى ذرية إبراهيم، ونعني أهل هذه الأراضي المقدسة.
وذكرت كيف أن الله سبحانه وتعالى حين انتهى إبراهيم من تجديد بناء الكعبة، أو إن شئت فقل: من بنائها للمرة الثانية، قال الله تعالى: هيا يا إبراهيم، إذن في الناس بالحج.
فقال إبراهيم: يا رب، ومن ذا الذي يبلغ دعوتي؟
فقالت العزة الإلهية: أذن أنت، وعلي أنا الإبلاغ. وذهب إبراهيم إلى جبل أبي قبيس المواجه للكعبة، وصعد الجبل وقال: «يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت - وأشار إلى الكعبة - ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار، فحجوا.»
ومن الروايات الصحيحة أن قد أجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وقالوا: «لبيك اللهم لبيك!» فمن أجابه يومئذ مرة كتبت له الحجة مرة، ومن أجاب مرتين كتبت له حجتان، وهكذا.
وفي الناس من لم يجيبوا قط في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، وهؤلاء كتب عليهم أن لا يحجوا. ولا غرابة؛ ففي مكة نفسها والطائف والمدينة وجدة كثير من الناس لم يحجوا مع قربهم من بيت الله الحرام.
وقفة عرفات
واتخذنا طريقنا صعودا نحو الجبل بعد أن أدينا فريضة صلاة العصر، فإذا بعشرات الألوف منا يقفون وقفة عرفات، مبتهلين إلى الله بقلوب يملؤها الخشوع، ويفيض عليها الإيمان، تردد في صوت واحد منبعث من الأفئدة، رافعين أيديهم إلى السماء، مغرورقة عيونهم بالدمع الهتون، غاسلين خطاياهم بالتوبة الصادقة، سائلين الله القوي، وقد ذهلت العقول، ولم تغفل الألسنة ذكر الله الواحد القيوم، قائلين: «لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وإليك، اللهم ما قلت من قول، أو حلفت من حلف، أو نذرت من نذر، فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ لا يكون، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير.
اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين.»
دعاء النبي في عرفات
على أن خير دعاء كان يدعو به النبي
صلى الله عليه وسلم
بعد صلاة العصر في عرفات والتلبية، الدعاء التالي: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وفي لساني نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري.»
وقال علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: أكثر ما دعا به رسول الله عشية عرفات في الموقف هو: «اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.»
ومن خير ما دعا داع في حجه ما ذكره الإمام الغزالي، إمام العلم والفلسفة والدين، وهو ما دعا به نفسه، قال: «إلهي، ما أنت صانع العشية بعبد مقر لك بذنبه، خاشع لك بذلته، مستكين بجرمه، متضرع إليك من عمله، تائب إليك من اقترافه، مستغفر لك من ظلمه، مبتهل إليك في العفو عنه، طالب إليك نجاح حوائجه! فيا ملجأ كل حي، وولي كل مؤمن، من أحسن فبرحمتك يفوز، ومن أخطأ فبخطيئته يهلك، اللهم إليك خرجنا، وبفنائك أنخنا، وإياك أملنا، وما عندك طلبنا، ولإحسانك هرعنا، ورحمتك رجونا، ومن عذابك أشفقنا، وإليك بأثقال الذنوب هربنا، ولبيتك الحرام حججنا. اللهم إنك جعلت لكل ضيف قرى، ونحن أضيافك، فاجعل قرانا منك الجنة. اللهم إن لكل وفد جائزة، ولكل زائر كرامة، ولكل شاكر عطية، ولكل راج ثوابا، ولكل ملتمس لما عندك جزاء، ولكل مسترحم عندك رحمة، ولكل راغب إليك زلفى، ولكل متوسل إليك عفوا، وقد وفدنا إلى بيتك الحرام، ووقفنا بهذه المشاعر العظام، وشهدنا المشاهد الكرام، رجاء لما عندك، فلا تخيب رجاءنا.»