فتسعى إلى المروة لعلها تجد من يغيثها، ولكنها لا تجد الغوث، فتعاود السعي إلى الصفا، ثم إلى المروة، وهكذا تسعى سبعة أشواط بين الصفا والمروة في طلب الماء والزاد، حتى تضج الملائكة، وتبتهل بالدعاء إلى الله، فيجيب سبحانه الدعاء، وينزل جبريل فيشق الأرض بجناحيه عن عين زمزم، وتهرع إليه هاجر، تحيطه بيديها مشفقة أن ينساب في رمال الصحراء، ثم تشرب وترتوي.
ها هو ذا الماء يتدفق تحت قدمي ابنها، تزمه زما بيديها خشية أن ينساب في رمال الصحراء عبثا، وتقول: زمي، زمي! فسميت زمزم، ونظرت إلى جبريل فوجدته أحسن ما يكون جمالا، فأخذ يكلمها كلاما رقيقا، فعرفت أنه ملك من السماء.
وقبل أن يبارح البقعة المباركة قال لها وهو يحرك جناحيه: إن الله لا يضيع أحدا أبدا.
وإذن فقد كان سعي هاجر بين الصفا والمروة سعيا وراء الحياة، وقد جعل الخلاق الأعظم من حياتها وحياة ابنها فاتحة تعمير لمكة المكرمة، أحب الديار إلى الله.
السعي من مناسك الحج
وعلى ذكر السعي بين الصفا والمروة روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، فقال: لقد أمسكنا في الإسلام عن الصفا والمروة باعتبار أنهما من مسألة الجاهلية، إلى أن نزلت الآية:
إن الصفا والمروة من شعائر الله ...
إلخ الآية الشريفة.
وقال عروة: قلت لعائشة رضي الله عنها: وما علي إذا لم أطف بالصفا والمروة؟ إني لا أبالي بعدم الطواف! فقالت: بئس ما قلت يا ابن أخي! طاف رسول الله فطاف المسلمون.
وقال الحارث بن هشام عن هذا الحديث: «إن هذا لعلم.»
ولقد سمعت أهل العلم يقولون: إن العرب كانت تعتبر أن الطواف بين حجري الصفا والمروة من أمر الجاهلية. وقال الأنصار: إنما أمرنا الله بالطواف بالبيت، ولم يؤمر به بين الصفا والمروة. وسأل الأنصار الرسول
صلى الله عليه وسلم
في ذلك، فأنزل الله الآية:
إن الصفا والمروة من شعائر الله ، والسبب في قوله تعالى:
فلا جناح عليه
هو أن الطواف إذ ذاك كان محظورا؛ إذ كانت هناك في الجاهلية شياطين تعزف في الليل، فلما نزلت الآية رفع المحظور في الإسلام.
وروى الترمذي عن جابر أن النبي
صلى الله عليه وسلم
حين قدم مكة طاف بالبيت سبعا، ثم قرأ:
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ...
إلخ الآية، وصلى خلف المقام، ثم أتى الحجر فلثمه، ثم قال: «فلنبدأ بما بدأ الله به.» فبدأ بالصفا.
طواف العذر
ولا يجوز أن يطوف أحد بين الصفا والمروة راكبا إلا عن عذر، فإن طاف معذورا فعليه دم، ومن كان غير معذور أعاد الطواف إن كان بجوار البيت، وإن كان غائبا أهدى (أي: قدم الهدي)؛ وذلك لأن النبي
صلى الله عليه وسلم
طاف بنفسه وقال: «خذوا عني مناسككم ...» وقد جوز الشرع طواف العذر راكبا؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم
طاف على بعيره، واستلم الركن بعصاه المعوجة، وقالت عائشة رضي الله عنها للرسول
صلى الله عليه وسلم : إني أشتكي تعبا. فقال لها: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة.»
الباب الثالث
| على عرفات
في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة بدأنا الرحيل من مكة المكرمة شاخصين إلى عرفات، والمسافة بين مكة وعرفات تقرب من خمسة وعشرين كيلومترا، لا يشعر بطولها الحاج؛ لأنه يقضي الوقت مشغولا بمشاهدة مناظر شائقة منوعة؛ إذ إن الطريق يكون في ذلك الوقت زاخرا بعشرات الألوف من الحجاج وهم محرمون بين راكبي سيارات، وإبل، وبغال، وعربات، وكافة وسائل السفر والانتقال.
وإني لأترك لمخيلة القارئ صورة هذا الزحام العظيم، ومنظر الطريق الصحراوي، ومع كل ذلك الزحام فإن لطف الله اللطيف يشمل أولئك الحجيج، فلا يحدث حادث تصادم واحد، ولا يقع لواحد منهم أي مكروه.
فيا عجبا! إننا لا نكاد نمر في طريق أو ميدان في مصر في أي يوم من الأيام إلا ونشهد حوادث عديدة من الاصطدام!