أي بنيتي!
كوني مصدر خير لزوجك وبناتك، فيجد حاجاته موفورة، وسعادته مهيأة، ويجدن فيك خير أم لخير بنت.
وتحملي الغربة فإنها بغيضة ثقيلة، ولكن هوني على نفسك، واعلمي أن الغربة إلى قرب، والبعد إلى نهاية، واجتهدي أن تجعلي غربتك أحسن درس وأفيد علم، فترجعي إلى وطنك خيرا مما كنت، وتكوني مصدر إصلاح لمن حولك ولقومك، وأرجو أن أراك قريبا وقد زال حزنك، وجمدت أعصابك، وتحسنت عاداتك، فتحمدي السفر، وتشكري الغربة. وحذار أن تغيري عاداتك الطيبة التي كسبتها، فلا من إقامة أقمنا، ولا من غربة استفدنا، وإنما احتفظي بشخصيتك، وأصلحي ما فسد من قومك، ولا تفسدي ما صلح من نفسك، واجتهدي أن تتركي بلاد القوم، وقد خلفت سيرة حسنة، وذكريات حميدة، ولا تكوني كما قال القائل:
وكنت إذا نزلت بدار قوم
رحلت بخزية وتركت عارا
ولكن اجعلي من حولك يبكون عليك لا يبكون لك، ويشعرون بفراغ لفقدك ووحشة لفرقتك، وفقك الله.
اجتهدي في أن تملئي فراغك بالقراءة النافعة من قصص ممتع وتاريخ مفيد، وإن استطعت أن تستمعي لبعض محاضرات في إحدى الجامعات فافعلي، فلا خير في حياة جافة فارغة ليس فيها غذاء للعقل.
| رسالة إلى ولدي
1
أي بني!
احرص على أن يكون لك مثل أعلى تنشده، وترمي إليه في حياتك، وليكن هذا المثل الأعلى مشتقا من شخصية عظيمة مصلحة تتفق ونفسك ومزاجك، فإني أعرف فيك الجد، والإفراط في عزة النفس، وقلة المجاملة، فليكن مثلك مناسبا لهذا كله، إن تحديدك للمثل الأعلى يحدد سيرك، ويعين ما يقرب منها وما يبعد، فأنت إذا قصدت إلى الهرم أمكنك أن تعرف منه الطريق المقرب والطريق المبعد، أما إذا أنت سرت سبهللا ولم تحدد لك غاية، تخبطت في السير ولم تعرف ما يحسن وما لا يحسن.
والمثل الأعلى كثير التأثير، مريح للنفس من عناء التفكير في كل لحظة، فهو دائم الشخوص أمام الإنسان يجذبه نحوه، ويدعوه لأن يحققه. وإن أعمال الإنسان وطريقة سلوكه تدل على أن له مثلا أو ليس له، وإذا كان، فماذا هو؟ وكل ما جرى من إصلاح للأفراد والأمم وتأليف لليوتوبيا أو المدينة الفاضلة، فمنشؤه المثل الأعلى، وبدونه يكون الإنسان كالحيوان يعيش - دائما - على وتيرة واحدة لا تتحسن، وكل ما أستطيع أن أقوله لك إنه يحسن أن يكون مثلك وطنيا مصلحا، وقد شاهدت ولله الحمد أمثلة صالحة في مصر، ثم شاهدت أمثلة خيرا منها في إنجلترا، وستشاهد أمثلة أخرى في سويسرا والسويد، فيمكنك أن تشتق منها جميعا المثل الأعلى الذي يصلح لك ويصلح لبلدك وأمتك ، فكثيرا ما يصلح الشيء لبلد ولا يصلح لآخر، وكثيرا ما يصلح لزمن ولا يصلح لآخر، وقد يصلح مع مزاج ولا يصلح مع آخر. فليكن لك في اختيار المثل عينان: عين تنظر بها إلى أوروبا، وعين تنظر بها إلى مصر، ثم تختار المثل بالعينين، ولتكن مرنا في اختيار المثل فكونه مما شاهدته في مصر وإنجلترا، ثم عدله بما ستشاهده في سويسرا، ثم عدله أيضا بما ستشاهده في السويد، وهكذا. ولا تحتقر شيئا تقع عليه عينك، فقد تستفيد الكثير من الأمر الصغير.
حاشية:
يؤسفني أن أذكر لك أن فلانا جارنا قد مات فجأة، وكان كثير السؤال عني وعن صحتي، ثم مات الصحيح وبقي المريض، وقد حزنت عليه كثيرا لأنه كان جادا في الحياة أكبر جد، ناجحا أكبر نجاح، وقد كان محظوظا في ماله، فكل شيء يشتريه تتضاعف أثمانه، ومر مرة في شارع من شوارع الإسكندرية فرأى في المحكمة المختلطة إعلانا عن قطعة أرض فاشتراها من غير أن يراها، فإذا هي جنة، وإذا ثمنها أضعف مما اشترى. واشترى أيضا ورقة يانصيب فربحت، واشترى أيضا بيتا في حلوان بأرخص ثمن؛ لأن الناس أشاعوا عنه أن به عفاريت.
ومع غناه وثروته التي تقدر بنحو ربع مليون كان شحيحا على نفسه، فهو يذهب إلى عزبه إما بعربة الحكومة أو في شركة كافوري، وتحت إبطه رغيف وقطعة جبن يأكلهما إذا جاع، ولا يحدث نفسه بركوب جيد، أو أكل فاخر.