انتهز أول فرصة لتنفيذ ما عزمت عليه، فإن الصعوبة ليست في العزم، وإنما هي في تنفيذه. (4)
حافظ على قوات المقاومة واحفظها حية في نفسك، وذلك بأن تتبرع كل يوم بعمل صغير لا تقصد منه إلا مخالفة نفسك وآرائك؛ لأن هذا يعينك على مقاومة المصائب إذا حان حينها، وأرجو الله لك التوفيق دائما.
حاشية:
مرضت أمك مرضا شديدا، ألزمها الفراش، وارتفاع الحرارة، وألححت عليها استدعاء الطبيب فلم تقبل بحجتين:
الأولى:
الاعتقاد في القدر، وأن ما كتب على الجبين تراه العيون، وما قدر على الإنسان فلا بد أن يراه.
الثانية:
أن كثيرا من الأطباء قد أخطأوا فأماتوا المريض، ألم تسمع ما فعلوا بفلان إذ عالجوه فمات، وبفلانة إذ عالجوها فماتت أيضا؟ فماذا يغني الأطباء؟ وما زلت أقنعها في الحجتين، فقلت: لها: إن المسلمين الأولين كانوا يعتقدون في ربط الأسباب بالمسببات، والأرض إنما تنبت الزرع بالبذر والغيث، فما لم تزرع وتبذر وتروى لا تنبت شيئا؛ ولذلك حاربوا بكل ما استطاعوا من قوى حتى نجحوا، ثم غلوا في الاعتقاد بالقدر فلم يربطوا الأسباب بمسبباتها فضلوا في عقيدتهم. وأما من الناحية الثانية فإن بجانب الأطباء القليلين الذين أخطأوا، أطباء كثيرين نجحوا، وإني لا أزال أعتقد أن الذين يكذبون لا يزال صدقهم أكثر من كذبهم، والذين يظلمون يعدلون أكثر مما يظلمون، والأطباء الذين يخطئون أقل ممن يصيبون، وهناك أشياء لا يخطئون فيها إلا نادرا، كتحليل البول ومقياس درجة الحرارة، ونحو ذلك. وما زلت بها حتى اقتنعت، فاستدعيت الطبيب، وقد عالجها، فشفيت ولله الحمد.
| رسالة إلى ابنتي
1
أي ابنتي!
شاءت الظروف أن ترحلي إلى إنجلترا، وقد كنت في مصر مهدمة الأعصاب شديدة الانفعال، تبكين لأتفه سبب، وتضحكين لأتفه سبب، وترضين وتغضبين وتحزنين وتفرحين، والآن أصبحت في ثلاجة، فتعلمي أن تثلج أعصابك وتبرد عواطفك، ثم إن كل شيء حولك يدعو إلى الهدوء، جو بارد، ونظام دقيق، ومعاملة حسنة.
وقد كنت في مصر تعتمدين على الخدم في قضاء الحوائج من الخارج، وعمل ما يلزم في الداخل، واليوم أنت في إنجلترا لا تجدين خدما فتقضين حوائجك بنفسك، وتغسلين صحونك بنفسك، وتطبخين وتكنسين بنفسك، ولكن ثقي أن هذا يعلمك الاستقلال، ويبعثك على النشاط، ويملأ فراغك ووقتك، وفي ذلك خير عظيم.
أي بنيتي!
ثقي أنك تحملين - شئت أو أبيت - اسم والدك، فعملك لاصق به، وخيرك وشرك هو مسئول عنه، فاحفظي اسمك واسم والدك، وعلى الإجمال كوني شريفة، فإن لم يكن شرفك لنفسك فاشرفي لأبيك.
نصيحتي لك ألا تكثري من الأولاد، فيكفيك ولد وبنت، أو ابنان أو بنتان، وقد جربت قبلك كثرة الأولاد فإذا هم كما قال الأعرابي: «إن عاشوا كدوا، وإن ماتوا هدوا»، وذلك أعون لك على حسن تربيتهم، وسعة الإنفاق عليهم، وهو أجدى على أعصابك، وأنفع في انفعالاتك؛ ثم لا كثير خير يرجى منهم، ولا حسن معونة ينتظر منهم، فهم إذا تزوجوا فكروا في زوجاتهم قبل أن يفكروا في آبائهم، والمثوبة عند الله.
وسعي عينيك ودققي النظر في عادات القوم، وخذي ما تستحسنين وتجنبي ما تكرهين، ولا يغرنك أنهم إنجليز، فكل قوم لهم خيرهم ولهم شرهم، ولهم محاسنهم ومساويهم، لعل ما شهروا به من المرح وعدم التفكير في المستقبل، وأن لهم يومهم الذي هم فيه، ثم ليكن غد ما يكون من ألطف عوائدهم، وأنت ينقصك الكثير من الفرح وشدة المرح فتخلقي بذلك ما أمكن.
وكم تمنيت أن يكون جونا باردا ليكون لنا مدافئ نتجمع حولها ونسمر بجانبها، فهي تجمع شملنا وتجري دمنا، ويصلح حديثنا، ولكن فقدناها لقلة البرد، ولم نستعض عنها شيئا فحرمنا الخير الكثير.
زرت مرة أوروبا فدققت النظر في رقيهم وانحطاطنا، فقلت: إن رقيهم سببه ميمان، المرأة والمطر؛ فالمرأة برقيها رقت أمتها، وعرفت كيف تربي رجالها ونساءها، والمطر ألطف الجو، وكسا الجبال والأشجار والزرع وخلق الغابات التي حرمناها. فكوني امرأة من هذا القبيل، تربي فتسحن التربية، وتسعد من حولها فتحسن الإسعاد.