تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو مع إيمانه بالعلم مرض بالسكر، فلم يسمع للأطباء بالحمية والاستقرار، فمات بعد أيام رحمه الله.

وقاك الله شر المرض، وشر الشح، وشر الجهل مع العلم، أو ضعف الإرادة مع قوة العقل، والسلام.

2

أي بني!

قرأت خطابك الذي تنكر فيه علي كثرة نصحي، ولا زلت أعتقد أني محق كل الحق، فكما يتأثر المرء بالبيئة التي حوله كما ذكرت، يتأثر بالنصيحة أيضا؛ ولذلك لا أزال أنصح لك، قبلت أو كرهت، وأنت حر في قبول النصيحة أو كرهها، وأحيانا تجد النصيحة محلها فتعمل عملها، ولولا ذلك ما نصح القرآن ولا النبي المؤمنين، فأمرهم بالعدل والصدق والعفة وما إلى ذلك. وقد أذكرني ذلك ما كنت أقرأه بالأمس في رسالة خطية لابن خلدون في التصوف، فقد عقد فصلا في الحوار بين رجل يرى ألا فائدة من الشيخ، بل يكفي القراءة في الكتب، وبين شيخ يرى الاعتماد على المشايخ، وحجة الأولين أن كل شيء موجود في كتب التصوف، وحجة الآخرين أن الشيخ الحقيق بلقب الشيخ يستطيع أن يدرك نفسية السامع ومزالقه فيوجهه الوجهة الصالحة التي قد تخفى على المريد نفسه، فما ينفع لأحد قد لا ينفع الآخر بل يضره؛ ولذلك لما كان كل يسأل الشيخ الماهر عن أحسن خلق كان يجيب إجابات مختلفة: أحيانا الصدق، وأحيانا العدل، وأحيانا غير ذلك، باعتبار السائل.

ولأمر ما اتفقت الأمم وحكماؤها على العناية بالنصائح، فالحكيم قس بن ساعدة له نصيحته المشكورة، ولقمان الحكيم نصح ابنه كما هو مذكور في القرآن، وملوك الفرس نصحوا الناس بنصائحهم المسماة «جويدان خرد». ولست أذهب بعيدا، ففي القصص العربي أن عبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وأبا جعفر المنصور تذكروا أبياتا من الشعر، فتشجعوا ورموا بأنفسهم في حومة القتال بعد إنشادها. وأنا نفسي قد جربت وقد قرأت نصائح من وصايا الإمام علي بن أبي طالب، ومن كتاب مرشد المتعلم، ومن كتاب سر النجاح والأخلاق لسمايلز، فوقفت عند بعض النصائح لهم كان لها الأثر الكبير في نفسي. فقولك إن البيئة كل شيء مغالطة، بل هي شيء من أشياء، بل إن النصيحة التي أذكرها لك هي نفسها بيئة من البيئات؛ ولذلك فلن أعتمد على قولك، وسوف أستمر في النصيحة ما دمت ابنا وما دمت أبا، ولك الخيار في أن تقبل ما تقبل وترفض ما ترفض.

حاشية 1:

بلغني أن فلانا جارنا صديقك الذي تعرفه قد تورط في صحبة أصدقاء، كانوا أصدقاء سوء، وما زالوا به حتى علموه الكيوف الضارة، فأخذ مأخذهم وسار على منوالهم، وترك دروسه، وتعود السهر معهم كل ليلة إلى منتصف الليل، فلما تيقظ أبوه لذلك نصحه بكل الوسائل فلم ينجح، ثم استعاض بأصدقائه أصدقاء آخرين خيرين خلقهم خلقا، فساروا معه سيرا حسنا، وأرشدوه إلى طريق الخير، حتى استقام والتفت إلى دروسه؛ فإن عددت هذا إصلاحا للبيئة فعلت، وإن عددته نصيحة جاءت على نمط مقبول وفي شكل مقبول فعلت.

حاشية 2:

وبلغني أن فلانا الذي تعرفه أيضا قد سقط في امتحانه بسبب ما تورط في أصدقائه، ثم عن طريق المصادفة شهد رواية سينمائية لفت نظره منها جملة خلقية قوية، فأتى وكتبها بخطه، وعلقها في حجرة نومه، فكان يقرؤها إذا نام وإذا صحا من نومه حتى استقام أمره. أفلا تعد هذه نصيحة من النصائح القوية الفعالة؟

3

أي بني!

سادت عند أمثالك من الشبان فكرة خاطئة، وهي شدة المطالبة بالحقوق، من غير التفات إلى أداء الواجبات مع تلازمها، فهما معا ككفة الميزان، إن رجحت إحداهما خفت الأخرى، وهم يلجأون إلى كل الوسائل للمطالبة بحقوقهم: من إضراب، إلى اعتصام، إلى تخريب، إلى غير ذلك، ولا نسمع منهم أبدا شيئا عن فكرة أداء الواجب! فحذار من الوقوع في هذا الخطأ. فعلى كل إنسان أن يؤدي واجبه دائما كما يطالب بحقوقه. والإنسان في هذه الحياة لا يعيش لنفسه فحسب وإنما يعيش له وللناس، ولسعادته ولسعادة الناس. وأداء الواجب، يؤدي إلى تحقيق السعادة: فالطالب الذي يؤدي واجبه لأسرته يسعدها، والأغنياء بتأديتهم ما عليهم من بناء للمستشفيات، وتبرع للخيرات، يزيدون في راحة الناس ورفاهيتهم. وعلى العكس من ذلك السارقون والسكيرون، فإنهم بإهمالهم الواجب عليهم وعدم إطاعتهم قوانين البلاد، يزيدون في شقاء الناس وتعاستهم، ومقياس رقي الأمة إنما هو في أداء أفرادها ما عليهم من واجبات. فالذي يتقي الله في صناعته يسعد الناس بإتقانه، ولا يبقى العالم ويرقى إلا بأداء الواجب. ولو أن مجتمعا قصر في أداء كل واجباته لفني في الحال. والأمة المتأخرة إنما بقيت لأن أفرادها قاموا بأداء أكثر الواجبات وتأخرت بالقسم الذي لم يؤد. ويجب أن يؤدي الواجب لأنه واجب، لا طمعا في ربح ولا هربا من خسارة، إنما نؤديه راحة لوجداننا. والذين يؤدون واجبهم رغبة أو رهبة ، إنما هم تجار يبيعون اليوم ما يقبضون ثمنه غدا. ومثلنا الأعلى أن نتلذذ من أداء الواجب كما نتلذذ من خير ينالنا وشر يزول عنا، ويجب أن ننشد مع أبي العلاء قوله:

إلى ولدي · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إلى ولديص ٢٤