أريد أن يصل هذا الرأي إلى عقولهم حتى يفهموه تمام الفهم، وأن يشعروا به كل الشعور ... حتى إذا ركبوا سياراتهم لم يفعلوا بها ما يفعله كثيرون من الشبان المراهقين هذه الأيام، وحتى إذا ما شاهدوا آلة التليفون أمامهم، وحثتهم أنفسهم أن يقتلوا بها أوقات فراغهم، وأن يقتلوا بها أعصاب الناس كما قتلوا بها قبل ذلك العمال والصناع، كان لهم من ضميرهم ما يردعهم ويوقفهم عند حدودهم.
أي بني!
لقد انتاب البعض شعور قوي في بعض الأوقات بما للآلات والمصانع من أضرار كثيرة على المجتمع ... فرأوا أنها تفقد العامل حريته، وتضيق من نطاق تفكيره، وتفسد إنسانيته، وتجعله جزءا من آلته، فكأنه ترس أو عمود فيها، ولكن سرعان ما رأوا ما تخرجه الآلات من أجهزة تساعد في تقدم الإنسانية ونهضة البشر، ورأوا أن إخراجها إلى الناس قد يوازي ما يقدمه العمال من مجهود وتضحيات، وما يبذلون من تعب ومشقة.
والآن أرجو أن يساعدنا هؤلاء الذين يعمل لهم العمال على الاحتفاظ بهذا الرأي، فلا يحاولون استغلال ما ينتجه هؤلاء الملايين من الصناع المساكين في قتل أوقات فراغهم على حساب أرواح البشر.
أي بني!
نصيحتي لك - استنتاجا من هذا الحادث - أن يمتلئ قلبك رحمة على العامل الفقير الذي يتعرض لهذه الأخطار، وعلى البائس المسكين الذي لا يجد قوت يومه، وعلى المريض المسكين الذي لا يجد صحته، وعلى الجندي المسكين الذي يضحي بحياته في ميادين القتال.
أي بني!
بل إني لأرجو أن تتسع رحمتك فترثي للمجرم الذي وقع في إجرامه، وللغني الذي يبتز أموال الناس ... بل وللعاهرة التي اضطرتها حاجتها إلى أن تبيع جسمها، ولرجال السياسة الذين قست قلوبهم فدفعوا بالملايين من الناس إلى مجزرة القتال! فكل إنسان في الوجود - فقيرا أو غنيا - يستحق الرحمة إذا اتسع أفقك وبعد نظرك.
أي بني!
ارحم ترحم، وليس يضيع حادث اتخذته درسا وانتفعت به، وفقك الله وأصلح حالك، والسلام.
3
كتبت إلي تسألني عن عزمك ترك لندن، بعد حصولك على الدكتوراه، والسفر إلى سويسرا للتمرين العملي، فلا بأس من ذلك، وإن كنت أعتقد أن الوسط الإنجليزي خير من الوسط السويسري لسببين:
الأول أن الوسط الإنجليزي أجد، وأقل لهوا وعبثا.
والثاني أنك كنت تحضر الدكتوراه، وكنت مشغولا برسالتك عن اللهو والعبث، فإذا أنت ذهبت إلى سويسرا بعد الدكتوراه اتسع زمنك ووجدت ما يدعو إلى اللهو والعبث.
ومع ذلك فلا بأس من سفرك بشرط المحافظة على ضبط نفسك، واعتدال الميل إلى اللذائذ وخضوعه لحكم العقل، فكن سيد نفسك ولا تكن عبدا لشهواتك، وضبط النفس يتطلب منك ألا تسرف في الشراهة والدعارة والطمع والغضب والسخط والثرثرة والإدمان، وقاك الله شرها جميعا، ولست أريد أن تكون زاهدا فأمنعك عن كل متعة، وإنما أريد أن تكون معتدلا مقتصدا في اللذائذ، لا تفريط ولا إفراط، ولا دعارة ولا رهبانية، وأحذرك على الخصوص من أشياء ثلاثة، الخمر والنساء والقمار، فهي شر ما يبلى به الإنسان ويفسد عليه حياته، ويضعف روحانيته، ويقل من حريته، ويسوقه إلى أسوأ حال.
وسألتني هل تتزوج من إنجليزية أو لا، فأقول لك إني مع اعتقادي بمزايا الفتاة الأوروبية من نظافة ونظام، وعناية كبرى بشئون الزوج، أرى أكثر من حولي من المتزوجين بأوروبيات غير سعداء؛ لأنهم رأوا أن زوجاتهم الأوروبيات قد ساءهن ما شاهدن من الأمور في مصر فهن ينغصن على أزواجهن إذا رأين فقراء مدقعين بجانب أغنياء مترفين، ويسوءهن أن يرين فوضى وقذارة وما إلى ذلك، وظهر أنهن كن يتصنعن التأكيد بسرورهن من الإقامة في مصر.
ومع كل هذا فسلطان الحب فوق كل سلطان، فأنا أترك لك وزن هذه الأمور، وأترك لك الاختيار بعد أن أبديت رأيي.
وأيضا فالرجل إذا تزوج بأجنبية رأى نفسه مضطرا أن يؤنسها بسينما وتمثيل وهواء طلق ونحو ذلك، فكان ذلك مثار الشقاق المتصل.