ولكن حذار أن تنخدع بما تفعله الفتاة الأوروبية من تصنع وإظهار ود متعمل، وإعجاب بموسيقى تعجبك، وفن يروقك، حتى توقعك في أحبولتها، فميز بين الطبيعي والمصطنع، والسليقي والمفتعل.
كل إخوتك بخير، وجارتك فلانة حملت في الرابع، ولكن تربية الأولاد وكثرة النفقات اضطراها إلى الذهاب لطبيب للتخلص من هذا الحمل البغيض، ولكن ذلك من غير علم أهلها، فأنا أعلم الخطر الشديد الذي تتعرض له الفتاة، ولكن الله سلم فنجت وفرحت بهذه النتيجة، فمن أبى قلة الأولاد فذلك أحسن لتربيتهم وأصح بجسم أمهم، وأكثر تمكينا للآباء من أن يحسنوا تربية أولادهم، ولكني نصحتها بألا تعود إلى مثل هذه العملية الخطرة، فالوقاية بادئ ذي بدء خير من العلاج بعد فوات الأوان.
أرجو أن تخبرني بما استقر عليه رأيك والسلام.
زارني اليوم فنان مصري قال إنه اتخذ من بيته في الضواحي معبدا لفنه، ويتقن ما يرسم في بطء ولا يسأل عن الزمن، ولكن يسأل عن الإتقان، وقال إنه يحتفظ في رسمه بروح مصرية صميمة، ويؤلف بين النزعات المصرية القديمة ومقتضيات الوقت الحاضر، وأنه نجح في عمله وعرض ما صوره على الإنجليز فأعجبوا به، وقالوا إنهم لا يستطيعون تقليد هذا الرسم الشرقي، لأنه وسط بين الفن الشرقي القديم والفن الغربي الحديث، وقالوا إنها تشبه عمل الآلات الميكانيكية إتقانا وجودة، وأوصوه بالاستمرار في العمل وتمنوا له النجاح.
وقال هذا الفنان إنه استطاع أن ينشئ مدرسة على مذهبه التحق بها سبعة عشر فنانا مصريا، وقال إنه يشترط فيمن يتقدم إليه ألا ينظر مطلقا إلى الناحية المادية، ومن أجل ذلك حرم عليهم بيع اللوحات أو المطالبة بترقيات وعلاوات. فحمدت الله أن يكون في مصر ثمانية عشر راهبا فنيا. وأتمنى لك عند رجوعك أن تكون راهبا علميا والسلام.
4
يا بني!
اعتادت أمك وأنت في مصر أن تشملك بعطفها، وتغمرك برحمتها، فتوفر لك كل ما تحتاجه من طعام وشراب ومنام، فاعتمدت عليها في كل ذلك لا على نفسك. ثم هي تسخر الخدم في غسل الصحون وما إلى ذلك، فاعتدت الراحة واستسلمت إلى الترف، وفررت من تحمل أي مسئولية. فلما سافرت إلى لندن شعرت بعيب هذه التربية وأنها أفقدتك الاستقلال، وتعودت عادات جديدة لم تكن لك من قبل، فعهد إليك أن تغسل الصحون لنفسك، وأن تحافظ على مواعيد الأكل في دقة ونحو ذلك، ثم رأيت عادات جديدة لأمة جديدة، فأنصحك أن تتحرى وتدقق التحري في عادات القوم الذين نزلت بينهم، وتختار منها أحسنها، وقد قرأت كتابا في النظم الاجتماعية في إنجلترا لم أذكر مؤلفه اليوم، فإذا ذكرته أرسلته إليك فاقرأه وكرر قراءته، وتعرف عادات القوم واجتهد في أن تعتاد ما هو خير منها، فالإنسان هو العادة، والعادة تكون المخ تكوينا خاصا، ولو أن خبرتنا بالمخ كافية لاستطعنا إذا نحن نظرنا إلى مخ إنسان لم نره من قبل أن نخبره بواسطة تركيبه وحجمه وشكله بصفات كثيرة من صفاته، وأن من خصائص المجموعة العصبية الذي أهمها المخ قابلية التشكل. ومعنى أن الجسم قابل للتشكل أنه إذا اتخذ شكلا جديدا احتفظ به واستمر عليه، كالورقة تثنيها فتحس شيئا من مقاومتها، فإذا ضغطت عليها اتخذت شكلا جديدا واستمرت عليه حتى لا تعود إليه إذا بسطت وهكذا. وكذلك الشأن في الأعصاب فكل عمل وكل فكر يشكلها بشكل خاص، حتى إذا أريد منها أن تعمل العمل ثانية أو تفكر التفكير ثانية كان ذلك أسهل؛ لأن الأعصاب استعدت للعمل وتشكلت به، كراكب الدراجة يجد صعوبة في ركوبها أول الأمر، ويجد صعوبة في حفظ التوازن عليها، فإذا استمر عليها واعتادها كان ذلك من أسهل الأمور، ومن أراد التأليف صعب عليه التفكير أول الأمر، فإذا اعتاده كان ذلك فيما بعد سهلا عليه.
فمن خصائص العادة سهولة العمل المعتاد كتعلم المشي للطفل، فكم يقاسي في سبيل ذلك، وكلما مشى وقع، وقد يستغرق تعلمه المشي شهورا، يتعلم أولا كيف يقف، ثم يتعلم الارتكاز على رجل واحدة عند اتجاه الأخرى إلى الأمام، ثم يتعلم تغيير الارتكاز من رجل إلى رجل حتى إذا اعتاد هذا كله كان يسيرا عليه. وكالكلام فقد تقتضينا الكلمة استعمال عضلات الحلق والشفة واللسان، وقد تقتضينا الكلمة الواحدة استعمال كل هذه العضلات، فإذا اعتدناها وتمرنا عليها سهل علينا النطق، وتكلمنا من غير شعور بصعوبة ما. واعتبر ذلك بنطق الإنجليزي أو الفرنسي بالعين العربية أو الضاد العربية، كيف يجد صعوبة في ذلك عند النطق بهما حتى يعتادوها.