تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي بني!

إني أحذرك أن تكون كأحد هؤلاء تستهويهم المائدة فيلتفون حولها، وللشيطان مداخل في ذلك، فهو يستهوي أولا بالجلوس على المائدة من غير لعب للتفرج على اللاعبين، ثم يستهويك باللعب من غير نقود، ثم يجرك إلى اللعب بالنقود، فإذا أنت مقامر، أعاذك الله.

أي بني!

وأعرف طبيبا كبيرا ماهرا في صناعته، جره أصدقاؤه إلى اللعب فقضى ليله لاعبا يكسب كثيرا ويخسر كثيرا، ثم ضجت زوجته من طول سهره، ومن كثرة خسارته، فطلبت منه الطلاق فطلقها، وسعدت، وندم.

أي بني!

يجب أن تكون لك ميزانية كميزانية الدولة المنظمة تعرف مقدار دخلك وخرجك ، ولا تصرف قرشا أكثر من دخلك.

بل لا يصح أن تصرف كل دخلك، فالليالي من الزمان حبالى، لا تدري، ماذا يحدث، وكم من المال تحتاج، وقاك الله شر السوء.

أي بني!

وكان لنا أستاذ كبير في مدرسة القضاء يتقاضى خمسة وثلاثين جنيها في الشهر، كما يتقاضى مائتي جنيه في السنة من الجامعة المصرية ولكنه كان مسرفا في بيته، يقيم كل أسبوع حفلات استقبال، وحفلات رقص وموسيقى، ويستدين كل شهر ما يحتاج إليه بيته من خبز ولحم ولبن وغير ذلك. فإذا جاء أول الشهر اصطف الدائنون على باب المدرسة حتى يقبض الأستاذ مرتبه ويخرج فيوزع عليهم أكثر مرتبه، ولا يبقي منه إلا ما يكفي ثلاثة أيام، فكان يقول: لعن الله السبعة والعشرين يوما آخر الشهر، وكان يمد يده إلى زملائه في المدرسة فيقترض منهم.

أي بني!

حذار أيضا من أن تكون مثل هذا، بل لا بد أن تعيش عيشة اقتصادية لا إسراف فيها ولا تقتير، وأن تكون معيشتك منظمة وبمقدار ما تكسب، بل أقل مما تكسب: لا حرمان ولا بهرجة، واعلم أن اضطرابك وفساد ميزانيتك شهرا واحدا يجر عليك فساد العمر كله، وإذا فسدت ميزانيتك وأنت لم تتزوج بعد فأولى أن تفسد بعد الزواج، وقاك الله شر الدين.

واعلم أن ليست الأخلاق صدقا وعدلا وشجاعة فقط، بل إن من أهم الأخلاق تنظيم الحياة أيضا، وسيرك في الحياة المالية بنظام وإتقان، ولأن يمد الناس أيديهم إليك يقترضون منك خير من أن تمد يدك تقترض منهم.

وفي الحديث: اليد العليا خير من اليد السفلى.

حفظك الله من هذه الشرور، وجعل يدك العليا دائما، والسلام عليك ورحمة الله.

2

فلنرحم العامل المسكين!

أي بني!

وصلتني رسالتك التي تقص علي فيها ذلك الحادث المؤلم الذي حدث في الورشة التي تعمل فيها، ولشد ما تألمت لوفاة ذلك العامل الكهربائي الذي كان يحاول إيقاف المولد الكهربائي فسرت الكهرباء في جسمه، ثم وقع صريعا على الأرض، ولشد ما آلمني وصفك لهذه الحادثة الأليمة التي حدثت أثناء انهماككم في العمل ... ورجائي ألا يمر عليكم مثل هذا الحادث من غير أن تخرجوا منه بدرس نافع، وعبرة مفيدة لكم ولمن حولكم من الناس.

لقد سرني ما فعلتموه إزاء أسرة الفقيد التي كانت يعولها، وما قدمتموه من مال وخدمات، وسرتني محاولاتكم العديدة في أن تلاشوا كل ما يمكن أن يؤدي إلى أن تتكرر مثل هذه الحادثة ... ولكن هناك درسا آخر قويا يجب ألا يفوتكم حين تنظرون إلى هذا الحادث، وهناك عبرة يجب أن يعيها الجميع.

أي بني!

هذا العامل هو أحد العمال الملايين الذين يعملون في تلك الأجهزة والآلات، ووفاته - بصرف النظر عن المسئول في هذه الحادثة - تدل على تلك المصائب والكوارث والمتاعب التي يلاقيها العمال وأسرهم من جراء القيام بأعمالهم القاسية المتعبة المملة المتكررة، ولست أريد في مثل هذا الموقف أن أعيد تلك الكلمات والجمل التي قيلت في مثل هذه الأحداث من أنه يجب علينا أن نضمن سلامة العامل، وأن نهيئ له أعمالا أقل قسوة وأقل جهدا، إلى آخر ما قيل في مثل هذه المواقف ... ولكنني أريد الآن أن أخاطب فئة أخرى غير فئة العمال ورجال المصانع، أريد أن أخاطب الفئة التي يعمل من أجلها العمال، والتي تفوز في النهاية بهذه الأجهزة التي دفع ثمنها من راحة العامل وأعصابه وحياته! أريد أن أخاطب كل من يركب سيارة وكل من يستخدم تليفونا، أريد أن أقول له إن عليه أن يعلم تمام العلم ويحس كل الإحساس بأن سيارته هذه قد تعذب أثناء صناعتها عمال كثيرون، وأن تليفونه هذا قد هلك وقت عمله صناع عديدون، حتى أخرج له بهذه الصورة التي يراها.

إلى ولدي · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إلى ولديص ١٨