وقد رأيت كيف يجاهد النحاة لتصح قاعدتهم في الصرف، وهي تتهدم - ولقد عرفوا ضعف أحكامهم في هذا الباب وتخلفها عن سائر أحكام الإعراب - قال الإمام الرضي: «إن حكم الإعراب لا يتخلف عن علته، ولا يوجد العامل ويبقى العمل إلا لسبب، أما حكم الصرف فإنه يتخلف عن العلة.» ثم قال: «ومنع الصرف سبب ضعيف؛ إذ هو مشابهة غير ظاهرة بين الاسم والفعل.»
8
رأينا في الصرف
وقد وجب أن ننصرف عما قرر النحاة في هذا الباب، بعدما تبين أنه لا يمثل العربية ولا يساير أحكامها، وآن أن نرجع إلى أصلنا في الصرف ومنعه، فنزيد بيانه، ونذكر ما بدا لنا من دليله.
قلنا إن التنوين للتنكير، وقد نص النحاة على هذا أيضا، فقالوا: إن التنوين يدل على التنكير في المبنيات وحدها دون المعربات؛ يقولون: سيبويه منونا لكل من سمي بهذا الاسم، وسيبويه بغير تنوين لمخصوص معين؛ وكذلك صه بالتنوين للكف عن كل حديث، وصه بلا تنوين للكف عن حديث خاص، ونحن لا نقبل تخصيصهم هذا ولا قصرهم تنوين التنكير على المبنيات، بل نرى أنه في المعرب أكثر دلالة على التنكير وأوسع استعمالا، وأن حذفه آية ظاهرة على التعريف، وإذا عددنا المعارف لم نجد التنوين يدخل واحدا منها إلا العلم.
فالضمير، والإشارة، والموصولات،
9
والمضاف، والمعرف بأل، والمنادى المعين، لا يدخل التنوين شيئا منها.
والعلم وحده هو الذي يجب أن ننظر فيه لنرى لم دخل التنوين بعض الأعلام وهي معارف؟ وسترى أن الجواب قريب، وسنقدمه من أقوال النحاة المتقدمين.
قرأت قريبا ما يقولون في سيبويه منونا وغير منون، وأن التنوين فيه يدل على معنى التنكير - وهو علم في كلا الحالين - فدلونا على أن العلم يدخله معنى التنكير والتعميم، وقد وضح هذا المعنى الإمام أبو سعيد السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه ببيان واسع واضح، قال: «اعلم أن المعرفة تشارك النكرة في موضعين، وإنما يكون التعريف والتنكير فيهما على قصد المتكلم، وذلك في الأسماء الأعلام، وفي الأسماء المضافة التي يمكن فيها التنوين، وتجعل إضافتها لفظية.
تقول في الأعلام: جاء زيد وزيد آخر، ومررت بعثمان وعثمان آخر، وما كل إبراهيم أبو إسحاق.
وإنما صار الاسم العلم أصله التعريف؛ لأنه الاسم الذي يقصد به المسمي شخصا لتلبيته بذلك الاسم من سائر الشخوص، كرجل سمى ابنه زيدا أو غيره ليعرف باسمه من غيره، وهذا أصله، ثم سمي غيره بمثل ما سمي به، فرادف ذلك الاسم على شخوص كثيرة، وكل شخص منها سمي به لاختصاصه، ثم صار بالمشاركة عاما، فأشبه أسماء الأنواع، كرجل وفرس ونحوه، مما هو لجماعة؛ كل واحد منهم له ذلك الاسم، فإن أورده المتكلم قاصدا إلى واحد، عنده أن المخاطب يعرفه فهو معرفة، وإن أورده على أنه واحد من جماعة لا يعرفه المخاطب فهو نكرة.»
فهذا غاية الجلاء في شرح ما يدخل العلم من معنى التنكير، ووجه آخر آكد عندنا منه، وهو أن العلم كثيرا ما يلمح فيه معنى الوصف، فإنا حين ننقل الكلمة من وصف أو مصدر فنجعلها علما على ذات لم تقصد إلى إهدار معنى الوصف وإضاعته بتاتا؛ كالرشيد والمأمون والأمين. واللقب نوع من العلم، ولولا أن نقصد فيه إلى صفة تمدح أو تذم ما كان لقبا، فإذا استعملت العلم ترمي إلى الدلالة على هذه الصفة فقد جنحت به إلى استعمال الصفات، تنكرها مرة بالتنوين وتعرفها أخرى بأل، فتقول: فضل والفضل وزيد والزيد، وقد دل لهذا الإمام الرضي بأدق تدليل قال:
والدليل على إمكان لمح الوصف في العلمية قولهم: إنما سميت هانئا لنهنأ، وقول حسان في الرسول عليه الصلاة والسلام:
وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمد
وأيضا تعلم أن اللقب كالمظفر وقفة، من الأعلام. واللقب هو الذي يعتبر فيه المدح والذم، فيمكن فيه لمح معنى الوصف الأصلي، ويؤكد هذا قول النحاة: إنما تدخل اللام على الأعلام التي أصلها المصادر المختلفة. ا.ه.