وقد لاحظ النحاة هذه المفارقة في عللهم، وأن منها ما يبعد الاسم عن الفعل، ولا يحقق شبهه به، فقالوا: «إن وجه مشابهة الاسم للفعل هنا مجرد الفرعية لا نوعها؛ وذلك أن الفعل فرع على الاسم من وجهين؛ الأول: لفظي، وهو اشتقاق الفعل من الاسم. والثاني: معنوي، وهو حاجة الفعل أبدا إلى فاعل، ولا يكون الفاعل إلا اسما. فهذه العلل التي عددوا، تحقق - كما زعموا - مجرد الفرعية؛ لأن العلمية فرع التنكير، والتأنيث فرع التذكير.» إلى آخر ما قالوا. على أنهم إذا كانوا قد قصدوا إلى مجرد الفرعية، فلم هذا التحديد؟ وقد لاحظ بعض النحاة أن مثل دريهم فيه فرعية من ناحية اللفظ، وهي صوغه على هذه الصيغة؛ فلفظ دريهم فرع للفظ درهم، وفيه فرعية ترجع إلى المعنى وهي التحقير، فقد تحقق فيه فرعيتان: إحداهما معنوية، والأخرى لفظية، وأشبه بهما الفعل، ولم يمنع من الصرف.
هذا اضطرابهم في التعليل، وضعف مسلكهم فيه، فإذا تركناه وعدناه إلى القاعدة التي وضعوا، وجدناها مضطربة أيضا، فقد ورد من الأسماء ما هو ممنوع من الصرف، وليس به شيء من عللهم: كلفظ «سحر»، إذا أريد به سحر معين. و«أمس»، هو لأقرب أمس غير مصروف، ولأي أمس مصروف، وذكروا مثل هذا في «غدوة» و«بكرة» و«عشية» أيضا (س ج2، ص48-49). وجعل النحاة يفرضون لهذا المنع عللا، ثم يختلفون أنكر الاختلاف فيما يفرضون.
3
ورووا كثيرا من الشعر فيه أعلام منعت من الصرف وليس فيها من عللهم غير العلمية؛ كقول الأخطل:
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت «بشبيب» غائلة الثغور غدور
فمنع شبيبا وهو مصروف، وكقول حسان:
نصروا نبيهم وشدوا أزره «بحنين» يوم تواكل الأبطال
وكقول دوسر:
وقائلة ما بال «دوسر» بعدنا
صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند؟!
وقال الشاعر:
ولسنا إذا عد الحصى بأقلة
وأن «معد» اليوم مود ذليلها
وقال الراجز:
لتجدني بالأمير برا
إذا «غطيف» السلمي فرا
في كثير من هذا، عد ابن الأنباري منه نحو عشرين شاهدا في كتابه «الإنصاف»،
4
وروى جملة منها ابن جني في كتابه «سر صناعة الإعراب»؛
5
حتى جعل الكوفيون العلمية وحدها علة تستقل بمنع الصرف.
فهذه مواضع تشهد بقصور عللهم، وعدم إحاطتها، وليست من الشذوذ والندرة بحيث يصح إغفالها والإغضاء عنها لتطرد القاعدة. وقد أجاز قوم - منهم أحمد بن يحيى ثعلب - منع صرف المصروف اختيارا؛ ومعنى هذا تحطيم القاعدة كما ترى.
وفي عكس ذلك ترى الاسم قد استوفى علة المنع على ما شرطوا وهو مصروف. (أ)
فعمر وأمثاله، مما يمنع للعلمية والعدل، ورد كثيرا مصروفا حتى رفض بعض النحاة منعه وقالوا بصرفه، وللمرحوم الشنقيطي في هذا رسالة سماها «عذب المعل في صرف ثعل». (ب)
وإمام الكوفة الفراء، روى عن العرب صرف «ثلاث، ورباع»، مما رأوا منعه للوصفية والعدل أيضا. (ج)
وأجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له اختيارا، ورجز به راجزهم،
6
قال :
والصرف في الجمع أتى كثيرا
حتى ادعى قوم به التخييرا (د)
ثم أجازوا في الشعر صرف كل ممنوع لإقامة الوزن، وقد ورد ممنوعهم منونا في مواضع سواء فيها التنوين وتركه بالقياس إلى الوزن. قال الشاعر:
إني مقسم ما ملكت فجاعل
جزءا لآخرتي، ودنيا تنفع
قالوا: أنشده ابن الأعرابي بتنوين دنيا، ولا تراه يمس الوزن شيء أن تنون وألا تنون.
بل أجازوا ذلك في النثر، وفي أعلى الكلام درجة لنوع من المناسبة والمشاكلة، كما قرأ نافع والكسائي: «إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا» (الإنسان: 4).
وقرءا: «وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديرا» (الانسان: 15-16).
وقرأ بعض القراء: «ولا يغوثا ويعوقا ونسرا» (نوح: 71).
ثم رووا أن صرف ما لا ينصرف في الكلام لغير حاجة لغة، قال أبو سعيد الأخفش: «إن
7
من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل من، وكأنها لغة الشعراء اضطروا إليها في الشعر، فجرى بها لسانهم في الكلام.» ومثل هذا روي عن الكسائي أيضا.