واستعمال العرب يشهد أنهم أحسوا في العلم نوعا من التنكير فقد استعملوه مضافا،
10
وأدخلوا عليه أل، ولم يصنعوا هذا الصنيع بشيء من المعارف سواه، فمما ورد مضافا قول الشاعر:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم
بأبيض من ماء الحديد يمان
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما
أقادكم السلطان بعد زمان
وقال:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
يزيد سليم والأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال، والفتى
أخو الأزد للأموال غير مسالم
قال ابن جني: وهذا كثير عنهم.
ومن استعماله بأل:
غلب المساميح الوليد سماحة
وكفى قريش المعضلات وسادها
وقول أبي النجم:
باعد أم العمر من أسيرها
حراس أبواب على قصورها
وتمام هذه الأدلة أن العلم إذا عين تمام التعيين، وامتنع أن يكون فيه معنى العموم لم يجز أن يدخله التنوين، وذلك حين يردف بكلمة «ابن» وينسب إلى أبيه؛ مثل: علي بن أبي طالب. ولم يستطع النحاة أن يكشفوا عن سبب لتحريم التنوين هنا، وقال أكثرهم إنه حذف تخفيفا، والحق ما ترى من أن تمام التعيين حرم أن تجيء علامة التنكير.
وقد آن أن نقرر القاعدة التي نراها في تنوين العلم، وأن نقررها على غير ما وضع جمهور النحاة، بل على عكس ما وضعوا وهي: الأصل في العلم ألا ينون، ولك في كل علم ألا تنونه، وإنما يجوز أن تلحقه التنوين إذا كان فيه معنى من التنكير وأردت الإشارة إليه.
ومثل الاستعمالين ظاهر في بيت المعري:
جائز أن يكون آدم هذا
قبله آدم على إثر آدم
فنون «آدم» لما كان فيه شية من التنكير، ظاهر أنه أرادها وتعمد الإشارة إليها ليتم تصوير معناه - ولم ينون لما أراد «آدم» الواحد المعهود.
وهذا الرأي كما ترى يخالف رأي الجمهور من النحاة مخالفة واضحة، ولكنه مع هذا معروف في كتب المتقدمين، منسوب إلى جماعة من الأئمة؛ قال الرضي: «إن الكوفيين يمنعون العلم من الصرف بالعلمية وحدها؛ لأن العلمية سبب قوي في باب منع الصرف.» وعزاه البغدادي صاحب خزانة الأدب إلى الإمام عبد الرحمن السهيلي أيضا، وهو من نحاة الأندلس وحذاقهم.
وقد قال النحاة: إن «ال» تدخل على العلم للمح الأصل، وإنها لا تدخل إلا ما كان منقولا عن وصف أو مصدر، وكذلك أقول: إن التنوين يدخل العلم للمح الأصل.
ومن لمح هذا الأصل يأتيه معنى التنكير، ويدخله التنوين.
وإذا امتحنا المواضع التي قدر النحاة فيها منع الصرف وتحريم التنوين، وجدناها تزيد هذا الأصل تأييدا.
فأول ذلك أنهم يمنعون الاسم للعلمية والعجمة، ويشترطون في الاسم الأعجمي ألا يكون قد استعمل نكرة في العربية قبل وضعه علما، أي أن يكون نقل من الأعجمية وجعل علما، فإذا سميت بإبراهيم، فإبراهيم ممنوع من الصرف، إذ لا أصل له في التنوين يمكن أن يلمح؛ أما إذا سميت بمثل «إستبرق» و«أستاذ» مما استعمل في العربية نكرة ونون لم يمنع عندهم من الصرف، لأنه لم يستوف شرط العجمة، وذلك يشهد أن التنوين يدخل على العلم من ناحية أصله الذي نقل عنه أو كما يقولون (للمح الأصل).
والثاني: المركب المزجي، وهو اسم نقل من لغة أخرى وبقيت له صورة تأليفه وتركيبه، فليس له من أصل كان منونا قبل العلمية فيمكن أن ينون بعده.
والثالث: وزن الفعل، اختلف فيه النحاة اختلافا كثيرا، وذلك أنهم وجدوا أعلاما توازن الفعل ولا تمنع، وأخرى توازنه فتمنع، فاشترطوا أن يكون الاسم على صيغة الفعل بها أولى، أو يكون قد بدئ بزيادة هي أحق بالفعل، على أن القاعدة لم تستقم لهم بعد ما اشترطوا، فقد رأوا مثل «جلا» ممنوعا من الصرف وليس فيه شرطهم، ومذهب عبد الله بن أبي إسحاق، أوضح المذاهب وأصرحها في هذا، يقول: «إنه يشترط أن يكون الاسم منقولا عن الفعل وظاهرا فيه هذا النقل.»
وتفسيره عندنا: أن العلم إذا كان قد نقل عن الفعل، وكان ظاهرا فيه هذا النقل، كان واضحا أن أصله محروم من التنوين، فلا أصل يلمح ويستأنس به حين تنوين العلم.