على أن هذا الرأي قد صرح به بعض المحققين من النحاة. قال الرضي في شرح الكافية في مناقشة بعض مواضع المفعول معه ما نصه: «الأولى أن يقال: إن قصد النص على المصاحبة وجب النصب، وإلا فلا.»
وقريب منه ما نقل عن الإمام بدر الدين الإسكندري الدماميني، ونقله الصبان في حاشيته على الأشموني، والخضري في حاشيته على ابن عقيل، ونصه من الخضري: «واعلم أن المعنى يختلف بالرفع والنصب؛ لأن النصب نص في المعية، والرفع لمطلق الجمع، كما هو شأن الواو العاطفة، فكيف يرجح العطف مع اختلاف المعنى؟ فالوجه أن يقال: إن قصدت المعية نصا فالنصب، أو بقاء الاحتمال والإبهام فالرفع، أو لم يقصد شيء جاز الأمران، ولعل هذا الأخير محمل كلامهم. ا.ه. دماميني.»
وما قوله الأخير: «أو لم يقصد منه شيء» إلا تمحل ليجد لكلام القوم محملا، ألا تراه يختتم كلامه بقوله: «ولعل هذا الأخير محمل كلامهم»؟
| الصرف
التنوين الذي يلحق الاسم المعرب يسمى صرفا، والاسم المنون مصروفا أو منصرفا، وهذا التنوين يعده النحاة دليلا على تمكن الاسم في باب الاسمية تمام التمكن؛ وذلك أنهم قسموا الاسم إلى ثلاثة أقسام: (أ)
اسم غير متمكن، وهو الذي أشبه الحرف فبني. (ب)
ومتمكن غير أمكن، وهو الذي أشبه الفعل فمنع من الصرف. (ج)
ومتمكن أمكن، وهو الذي خلص من شبه الحرف، وخلص من شبه الفعل، واستوفى حقوق الاسم فأعرب ونون.
فالأصل عند النحاة أن التنوين حق كل اسم معرب، وأن معناه الدلالة على تمكن الاسم في بابه كل التمكن، وأنه لا يمنع منه، حتى يتحقق فيه شبه الفعل بأوجه من الشبه، بينوها وسموها «موانع الصرف».
ومن قبل أن نناقش رأي النحاة في هذا، نشير إلى الأصل الذي رأينا؛ ليتمثل لك الرأيان إجمالا، ثم نأخذ معا في درس المذهبين ومناقشتهما.
والقاعدة التي نضعها لهذا الباب مستمدة من الأصل الذي قررنا في بحثنا هذا، وهو أن العرب تدل بهذه الخواص على معان يقصدون إليها في الكلام، فللتنوين معنى يجب أن نتبينه.
ومعنى التنوين غير خفي، فهو علامة التنكير، وقد وضعت العرب للتعريف أداة تدخل أول الاسم، هي «ال»، وجعلت للتنكير علامة تلحقه، وهي التنوين. وسترى اطراد هذا الحكم وتحققه فيما ينصرف من الأسماء وما لا ينصرف، وسيكون أوسع شقة للخلاف بيننا وبين النحاة في «العلم»؛ فهم يرون أن حقه التنوين وأنه لا يحرمه، حتى تتحقق فيه علتان من موانع الصرف، ونرى أنه لا ينون كما لا ينون غيره من المعارف، ولا يدخله علم التنكير حتى يكون فيه نصيب من معنى التنكير، كما سترى.
والآن حين نأخذ في تمحيص كل وجه ونسوق أدلته، قالوا: إن الأصل في منع الاسم من الصرف شبهه بالفعل، وإن ذلك يتحقق بوجود علتين في الاسم: إحداهما ترجع إلى المعنى والثانية ترجع إلى اللفظ، أو بوجود علة واحدة تقوم مقام العلتين:
والعلة التي تجزئ عن العلتين نوعان: ألف التأنيث ممدودة أو مقصورة، وصيغة منتهى الجموع.
والعلة المعنوية هي العلمية أو الوصفية.
والعلل اللفظية هي: العجمة، والتركيب المزجي، والتأنيث، والعدل، وزيادة الألف والنون، ووزن الفعل.
فالعلمية تمنع من الصرف مع أي واحدة من هذه العلل اللفظية، والوصفية تمنع مع العدل، وزيادة الألف والنون، ووزن الفعل. هذا ملخص قولهم.
1
أما تعليلهم منع الصرف بمشابهة الفعل، فلو صح لكان أولى الأسماء بالمنع من الصرف الأسماء المشتقة، من اسم فاعل واسم مفعول، فهما يسايران الفعل في هيئته وفي معناه، حتى عدهما جماعة من النحاة نوعا من أنواع الفعل.
2
وإذا تتبعنا بالنقد العلل التي جعلوها سببا في تحقق المشابهة بين الاسم والفعل، وجدنا منها ما لا يكون في الفعل، وما حقه أن يباعد بين الاسم والفعل، لا أن يقرب بينهما. فالعلمية من أخص صفات الاسم وأبعدها عن الفعل، والعجمة والتركيب المزجي من حقهما أن يبعدا الكلمة عن شبه الفعل، فإن الكلمة الغريبة قد تنقل إلى اللغة وتستعمل اسما أو علما، ولكنها لا تسلك مسالك الفعل حتى تصاغ صوغ الأفعال فيها وتخضع لتصريفها، وذلك ما لا يكون للكلمة حتى يكرر استعمالها، وتنسى عجمتها، وتسلك مسلكا يؤهلها في اللغة الجديدة. فأولى بالعجمة أن تكون عنوان الاسمية لا الفعلية.