تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد ترى كيف جمعت الأحكام المتشعبة في هذا الباب إلى أصل واحد نظمها جميعا، ووحد الحكم، وفصل في أوجه الخلاف، وميز بينها تمييزا يعتمد على قرار مطمئن ثابت؛ وذلك بأنه وصل بين حكم اللفظ وبين المعنى، وأبان عن سر العربية في تأليف الكلم والتصرف فيها.

وربما عددت أنا أطلنا في بيان هذا الباب وتفصيل أحكامه، فإن يكن قد بدا ذلك لك، فإنا نخشى أن تكون بعيد العهد بأبحاث الباب، ونرجو أن تعود إليه لتذكر ما فيه من خلاف وجدل، ومن أمثلة فرضت على العربية، وأحكام ضربت عليها، وستعلم بعد مقدار ما أوجزنا ومبلغ ما يسرنا، والله المستعان. (4) المفعول معه

ومن الأبواب التي ردد النحاة فيها الحكم بين النصب وغيره «باب المفعول معه»، ومن أمثلته المشهورة: «سرت والنيل» و«جاء البرد والطيالسة» و«استوى الماء والخشبة».

ويردد النحاة الاسم التالي لهذه الواو، بين أن ينصب مفعولا معه، أو يعرب معطوفا على ما قبله. ويقولون: يترجح النصب إذا تقدم الاسم فعل أو شبهه، وكان في العطف ضعف، وذلك مثل: قمت وزيدا. فإن ضمير الرفع المتصل لا يعطف عليه حتى يليه فاصل، فتقول: قمت أنا وزيد.

ويترجح العطف إذا لم يسبق الاسم فعل؛ مثل: كيف أنت وزيد؟ وما أنت وزيد؟ وإذا لم يكن في العطف ضعف؛ مثل: قمت أنا وزيد.

وهم يطبقون في مثل: «كيف أنت وزيد؟» على ترجيح الرفع، وضعف النصب؛ لأن الاسم لم يتقدمه فعل مع أن لكل من التركيبين معنى خاصا، وموضعا لا يليق به صاحبه، فإذا قلت: «كيف أنت وأخاك؟» بالنصب، فإنك تسأل عن صلة الاثنين، وتضع هذا التركيب حين يكون بينهما من الأمر ما هو جدير بالاستخبار، وموضع للمسألة.

أما «كيف أنت وأخوك؟» فإنه استخبار عن الاثنين يمكن أن تطنب فيه، فتقول: كيف أنت وكيف أخوك؟ وسمع النحاة من العرب: «كيف أنت وقصعة من ثريد؟» بالنصب فضعفوه وقالوا:

5 «بل الأكثر الرفع، ومن نصب فإنما قدر الضمير فاعلا لمحذوف لا مبتدأ، والأصل: كيف تصنع؟ فلما حذف الفعل وحده برز الضمير وانفصل.»

وإنما أولجهم هذا المأزق أصلهم في فلسفة العامل، وقولهم: إن المفعول معه إنما ينصب «بما من الفعل وشبهه سبق.» فإذا لم يكن قبله فعل أو شبهه لم ينصب، وكانت الواو عاطفة، وإذا ورد عن العرب ما هو منصوب مما لم يسبقه عامل، فإنما ذلك لأن العرب قد نوت العامل وطوته فوجب تقديره، على أنهم في سبيل الوفاء بأصلهم قد أغفلوا المعنى، وأضاعوا فرق ما بين إعراب وإعراب، ووضع ووضع.

وكذلك الحال بعد الاستفهام «بما» يروون لأسامة الهذلي:

فما أنا والسير في متلف

بنصب السير؛ فيجيزون الرفع ويختارونه، ويضعفون النصب، ويقدرون له: ما أكون والسير؟ ومثله في هذا قول مسكين الدارمي:

فما لك والتلدد حول نجد

وقد غصت تهامة بالجنود؟!

وليس المعنى في البيتين إلا على النصب؛ لأن الاستفهام وما فيه من استنكار أو تعجب، إنما هو لما بين الاثنين، ولا يصوره أن يجيء الاسم رفعا؛ لأنه إذن لا يؤدي معنى المصاحبة، وإذا بطلت بطل الاستفهام كله، وضاع ما فيه من معنى.

ويروون بيت المخبل السعدي في الزبرقان:

يا زبرقان أخا بني خلف

ما أنت - ويب أخيك - والفخر

فيرتضون الرفع ويجيزون النصب أيضا، وليس فيه إلا الرفع ليدل على معناه، فإنه استفهامان، كأنه قال: ما أنت وما الفخر، ولا يصور هذا إلا العطف، كما ترى في قول الآخر:

تكلفني سويق الكرم جرم

وما جرم؟ وما ذاك السويق؟

فهذا فرق ما بين الإعرابين، ولكل موضع. أجل؛ إنه فرق دقيق، ولكنه حق يجب أن يفطن له ليفهم الكلام على وجهه وليسلك به سبيله.

وفصل القضية في هذا الباب، أنك إذا أردت معنى المصاحبة، وكانت الواو في معنى «مع» وجب النصب، وكان ذلك سائرا مع أصلنا، فإن الاسم بعد هذه الواو من تمام الحديث، ليس بمتحدث عنه ولا بمضاف إليه، فحكمه النصب، وإذا لم ترد معنى المصاحبة أو المعية - كما هو الاصطلاح - فإنها واو العطف.

إحياء النحو · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٣٩