تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من صد عن نيرانها

فأنا ابن قيس لا براح

وقول الآخر:

تعز فلا شيء على الأرض باقيا

ولا وزر مما قضى الله واقيا (2)

ويجعلونها عاملة عمل «إن»، فينصب الاسم بعدها غير منون ويرفع الخبر، ولذلك أمثلة كثيرة؛ مثل:

ذلك الكتاب لا ريب فيه (البقرة: 2)،

لا تثريب عليكم (يوسف: 92)،

لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم (هود: 43). (3)

ويجعلونها مهملة فيرفع بعدها المبتدأ والخبر؛ مثل:

لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (يونس: 62).

ويجيزون في نحو: «لا حول ولا قوة إلا بالله» خمسة

1

أوجه من الإعراب؛ ويطيلون في توجيه كل إعراب منها.

وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين ما تعمل عمل ليس، فيرفع الاسم بعدها، وما تعمل عمل إن فينصب بعدها؛ لنميز مواضع الرفع من مواضع النصب، وجدناهم يقولون: إن الأولى تنفي الواحد، فنفيها محدود خاص؛ تقول: «لا رجل في الدار بل رجلان»، والثانية تنفي الجنس؛ تقول: «لا رجل في الدار»، فلا يصح أن تعقب بعده بمثل: بل رجلان، فيتضارب أول الكلام وآخره.

وإذا ناقشت هذا الفرق الذي بينوا، لم تجد له ثباتا، فالشاهدان اللذان رووهما لإعمالهما إعمال ليس لا يفهم منهما إلا نفي الجنس، وكيف يفهم على غيره قول الشاعر:

تعز فلا شيء على الأرض باقيا

وقول الآخر:

فأنا ابن قيس لا براح

وإذا ضاع معنى الشمول في النفي كان المعنى في البيتين لغوا.

ومن العجيب أن النحاة لا شاهد لهم على إعمالها كذلك إلا هذا البيتان: قال أبو حيان: إنه لم يرد من إعمال «لا» عمل ليس صريحا إلا بيت واحد، هو:

تعز فلا شيء على الأرض باقيا

وقد أنكر الأخفش هذا العمل، واتبعه الإمام الرضي، وجعله ابن الحاجب سماعا، ونص ابن هشام في شرح القطر على أنه خاص بالشعر.

فلم نجد في أقوال النحاة ما يصح به التمييز بين مواضع الرفع ومواضع النصب بعد «لا»، والذين أنكروا إعمالها عمل ليس لم ينكروا - ولا سبيل إلى أن ينكروا - أن الاسم بعدها يكون مرفوعا، ولكنهم يعدونها ملغاة؛ ثم لا يعنون ببيان الفارق في المعنى بين الإعمال والإلغاء، ولا بد عندنا من فارق معنوي.

وقد أجهدنا بحث أقوال النحاة في هذا الباب، ومناقشة آرائهم، وتتبع جدلهم، لنظفر برأي مستقيم يصل بين حكم الإعراب ومعنى الكلام فلم نجد.

وتستطيع أن ترى، ونعدك من الآن أن ستجد، هذا الباب مثلا ممثلا تاما للجهاد النحوي العنيف، الذي يعتمد على الفلسفة النظرية، وخاصة فلسفة العامل؛ فتكثر فيه فروض القول، ويستملى من الفلسفة أحكامها؛ على أنه ليس باليد من أقوال العرب إلا النزر اليسير، ومن أجل هذا يكثر الخلاف، ويطول الجدل، ولا فيصل ولا حكم.

وقد رأينا أن نرجع إلى «الكتاب الكريم» لنعلم استعمال هذا الحرف ومعانيه، ونتبين حكم ما بعده، فوجدنا استعماله على ما يأتي.

استعمال «لا» مع الفعل

تستعمل لا مع الفعل أكثر مما تستعمل مع الاسم، ففي سورة «البقرة» وحدها تجيء «لا» في «170» سبعين ومائة موضع، وهي مع الاسم في «54» أربعة وخمسين فقط، ومع الفعل في «116» ستة عشر ومائة.

وتكون مع الفعل ناهية ونافية.

فالناهية:

تدخل على المضارع وحده، ويكون بعدها مجزوما؛ وتجعله في باب الأمر أكثر تصرفا من فعل الأمر نفسه، ألا تراك تقول: «اقرأ» فإذا أردت النهي قلت: «لا تقرأ»، ولم يكن لك من سبيل إلى استعمال صيغة الأمر، على أنك تقول في المضارع «لتقرأ» و«لا تقرأ»؛ تأمر به وتنهى؟

والنافية:

تختص بالمضارع أيضا، ولا تدخل على الماضي إلا قليلا، وبشرط أن تتكرر؛ مثل :

فلا صدق ولا صلى (القيامة: 31).

والنافية للمضارع هي أكثر أنواع «لا» استعمالا، ونصف ما ورد في «الكتاب الكريم» من هذا النوع.

ويلاحظ في نفي المضارع، أنك تقول: «لم يتكلم»، فالنفي للماضي، و«ما يتكلم» فالنفي للحال، و«لن يتكلم» فهو للمستقبل، فإذا قلت: «لا يتكلم» كان النفي أوسع وأشمل ففي نفي «لا» معنى الشمول والعموم.

إحياء النحو · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٣٣