فقد انتهينا من أقسام التوابع وأحكامها كما عدها النحاة، وأسقطنا منها نوعا هو العطف، وقسمنا باقيها قسمين: النعت والبدل، وبينا أنها في أحكامها لا تخالف الأصل الذي قررنا من قبل في معاني الإعراب، وخالفنا النحاة في النعت السببي، وجعلناه إتباعا للمجاورة.
الخبر
ويجب أن نزيد هنا تابعا، هو أهم من الأقسام السابقة كلها وأولاها أن يذكر في باب التوابع، وهو الخبر؛ وذلك أنهم إذا أرادوا أن يدلوا على أن الكلمة هي عين الأولى، وأنها صفة متحققة لها، أشاروا إلى ذلك بالموافقة في الإعراب وفي التذكير والتأنيث.
ونعتمد في هذا على كلام المتقدمين من النحاة، فقد قال سيبويه: «إن الخبر إنما رفع من حيث كان من المبتدأ هو هو.» وقال نحاة الكوفة: «إن الخبر إذا خالف المبتدأ ولم يكن وصفا له، وإنما كان بيانا لمكانه أو زمانه لم يرفع ونصب.» ويسمونه النصب على الخلاف، تقول: «زيد أمامك». فإذا لم يكن بيانا للمكان، بل كان وصفا للأول فهو مرفوع كما قال المعري:
ورائي أمام، والأمام وراء
وكل حياة العالمين رياء
والذي منع النحاة أن يقولوا بالإتباع في باب الخبر، أنهم رأوا المبتدأ يكون مرفوعا والخبر منصوبا في باب كان، وليس التفسير على ما تصوروا، فإن المتحدث عنه هو الذي سموه اسم كان، والمتحدث به أو الخبر، هو «كان قائما»، فليس «قائما» بخبر يلزم أن يتبع المبتدأ في إعرابه، وكذلك في باب «إن»، رأوا المبتدأ منصوبا والخبر مرفوعا، فأنكروا الإتباع، وقد علمت من قبل، أن الاسم في باب «إن» مرفوع، وأنه قد ورد إتباعه على الرفع؛ جاء في القرآن الكريم:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون
وفي الشعر ما روى سيبويه:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق
وقالت العرب: «إنهم أجمعون ذاهبون»، فخطأهم سيبويه، وهو المخطئ، كما بينا من قبل في بحث أبواب الرفع؛ فالخبر في هذا الباب تابع مرفوع كما رفع غيره من التوابع، ونظيره في الإتباع ما روى النحاة في مثل: «ليس زيد بقائم ولا قاعدا»، و«ليس زيد قائما ولا قاعد» على ما تعلمه في خبر ليس.
فهذا حكم الخبر والله أعلم.
| تكملة البحث
في مواضع أجاز النحاة فيها وجهين من الإعراب
أراني قد انتهيت من تقرير ما أردت، وبينت أن للإعراب في العربية علمين: «الضمة» و«الكسرة»، وأن الضمة علم الإسناد، والكسرة علم الإضافة، واستقريت أبواب الإعراب كما عدها النحاة، ورأيت استقامة هذا الأصل معها، واطراده فيها؛ على أنه قد يسر أحكام الإعراب ومكن من الإحاطة بها على أقرب وجه وأدناه إلى توضيح سر العربية.
وقد كان في هذا بلاغ ما أردت، ولكني أردت أن أكمل البحث بدرس أبواب، أجاز النحاة فيها وجهين من الإعراب، ساووا بينهما مرة، وفضلوا وجها على الثاني في الأخرى. والأصل الذي تقرر لا يساير هذا التخيير، ولا يجيز أن يكون للكلام وجهان من الإعراب يلابس المتكلم أيهما شاء، فمتى ثبت أن للحركة أثرا في تصوير المعنى تجتلب لتحقيقه، لم يكن للمتكلم أن يعدل عن حركة إلى أخرى حتى يختلف المعنى الذي يقصد إلى تصويره، فيختلف الإعراب تبعا له. ومن ثم كانت الأبواب ذات الحكمين أو الإعرابين المختلفين، موضعا صالحا لاختبار هذا الأصل، دقيقا في تقدير مداه، وكان من تكملة البحث أن ندرس هذه الأبواب ونقيس أحكامها بحكمه، وقد رأيت أنه كشف عن سر العربية في هذه الأوجه وأبان عن سبب اختلافها، وعن صلة ما بين هذا الاختلاف ودقائق ما يراد من المعنى، وأنه ربما صحح من أحكام النحاة، أو فصل في بعض ما بينهم من خلاف. (1) باب «لا»
وأول هذه المواضع، باب «لا». والنحاة يجعلون للاسم بعد «لا» أنواعا من الإعراب مختلفة: (1)
يجعلونها عاملة عمل ليس، فيرفع بعدها الاسم وينصب الخبر، ويروون لذلك قول الشاعر: