وفي معنى الفعل المضارع شيء من الشمول والاتساع أيضا؛ فالنحاة يقولون: «إنه للحال والاستقبال.» وأقول: «إنه قد يتناول الماضي أيضا.» فمثل: «هو كريم يعطي السائل ويكرم الضيف»، ومثل:
الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون (الماعون: 6-7) ليس الحال ولا الاستقبال أولى به من الماضي، وأنا أدعك لفهمك وأطمئن إلى حكمك، وفي القرآن الكريم:
واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان (البقرة: 102) قدر النحاة له «كانت تتلو» ورووا قول الشاعر:
جارية في رمضان الماضي
تقطع الحديث بالإيماض
فقدروا له «كانت» أيضا، ومهما قدروا فلن يدفعوا أن المضارع قد أفاد هذا المعنى وصوره دون أن يذكر ما قدروه.
وقد يدل المضارع على ما صار بمنزلة الطبيعة أو العادة، فيتسع ولا يتقيد بزمن، وذلك في الكلام كثير.
ومن شمول المضارع أيضا أنه يدل على ما يتجدد ويتكرر كما قالوا في بيت الشاعر:
أوكلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلي عريفهم يتوسم؟!
لذلك ناسب المضارع النفي «بلا» فاختصت به، وامتنع أن تنفي الماضي حتى يكون فيه معنى الاستقبال، أو حتى تتكرر ليكون في التكرار معنى من الشمول.
استعمالها مع الاسم
واستعمال «لا» مع الاسم أقل من استعمالها مع الفعل كثيرا، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، ونرى في سورة «كالإسراء» مثلا أن «لا» تستعمل مع المضارع في ثلاثين موضعا ولا نجدها مع الاسم إلا في موضع واحد، وهي فيه تأكيد لنفي فعل سابق،
قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (الإسراء: 56).
ونجدها مع الاسم، تشابه استعمالها مع الفعل وتسايره فتجيء مفردة ومكررة، أما المفردة فلا تليها إلا نكرة، وأكثر ما تكون هذه النكرة مصدرا أو في معنى المصدر؛ مثل:
ذلك الكتاب لا ريب فيه (البقرة: 2)،
لا علم لنا إلا ما علمتنا (البقرة: 32، المائدة: 109)،
فلا عدوان إلا على الظالمين (البقرة: 193)،
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها (البقرة: 256)،
لا تبديل لكلمات الله (يونس: 64)،
لا تثريب عليكم (يوسف: 92)،
وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له (الرعد: 11).
وقد يليها وصف مشتق؛ مثل:
إن ينصركم الله فلا غالب لكم (آل عمران: 160)،
ولا مبدل لكلمات الله (الأنعام: 34)،
من يضلل الله فلا هادي له (الأعراف: 186)،
وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله (يونس: 107).
ويندر أن يجيء بعدها اسم جنس مثل:
لا إله إلا هو (2، 6، 18 من آل عمران)، ويتكرر هذا المثال في القرآن الكريم، ولكن يندر أن يجيء نظيره، وأندر منه أن يليها جمع مثل:
إنهم لا أيمان لهم (التوبة: 12). ومن السبعة من قرأه: «لا إيمان لهم.» بالكسر في همزة إيمان.
وتجد من المشابهة بين هذا الاستعمال وبين استعمالها مع المضارع أوجها:
أولها:
أن المصدر والمشتق يشبه الفعل مشابهة لا تخفى. ولقد عد نحاة الكوفة المشتق - اسمي الفاعل والمفعول - نوعا من الفعل.
الثاني:
التنكير، وقد علمت ما في المضارع من معنى العموم والشمول.
الثالث:
أن الاسم بعد «لا» يغلب أن يتبعه ظرف يتعلق به: ولا يذكر بعده الخبر. وقد لحظ النحاة هذا، فقالوا: إن لا النافية للجنس يكون خبرها محذوفا أبدا عند الطائيين، وغالبا عند الحجازيين.
وأما إذا كررت «لا» فإن الاسم بعدها يكون معرفة ونكرة - أي نوع من المعارف، وأي نوع من النكرات - وقد يكون الاسمان نكرة ومعرفة، أو يكون اسم يعادله فعل، وتكرار «لا»، لا يجيء قليلا ولا عرضا، بل هو أسلوب من أساليب استعمالها كما تستعمل «أما»، ومن أمثلته:
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة: 112، 262، 277).
لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة (البقرة: 254).
والاسم بعدها حين التكرار منون.