زعم البوارح أن رحلتنا غدا
وبذاك خبرنا الغراب الأسود
لا مرحبا بغد ولا أهلا به
إن كان تفريق الأحبة في غد
ولدريد بن الصمة:
نظرت إليه والرماح تنوشه
كوقع الصياصي في النسيج الممدد
فأرهبت عنه القوم حتى تبددوا
وحتى علاني حالك اللون أسود
وكقول حسان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر
جسم البغال وأحلام العصافير
كأنهم قصب جوف أسافله
مثقب نفخت فيه الأعاصير
أما الإصراف، فقد أنكره قوم أن يكون جاء في شعر العرب، وأثبته آخرون، على اعتقاد قلته، والتصريح بندرته، قال أبو العلاء المعري: «وإنما أجازوا ذلك في المرفوع والمخفوض، وكرهوا الفتحة أن تجيء مع الكسرة أو الضمة، فأما الخليل وابن مسعدة فلم يذكراه.» ا.ه.
27
والذين أثبتوه لم يذكروا من أمثلته إلا ما كان النصب فيه سابقا، وكان الصرف عنه إلى الرفع أو الخفض دون العكس؛ مثل:
أرأيتك إن منعت كلام يحيى
أتمنعني على يحيى البكاء
ففي طرفي على يحيى سهاد
وفي قلبي على يحيى البكاء
ومثل:
ألم ترني رددت على ابن ليلى
منيحته فعجلت الأداء
وقلت لشاته لما أتتنا
رماك الله من شاة بداء
هذه أمثلتهم هنا، فقد رأيت أن العرب تحرص على الضمة والكسرة؛ تلتزمهما، وتهجر من أجلهما تماثل القافية، وما فيه من انسجام. وإذا بدأ الشاعر قصيدته بالفتحة وبني عليها قافيته، ثم جاء داعي الضمة أو الكسرة استجاب له ولم يبال القافية، والأعشى بنى على الفتح قصيدته التي مطلعها:
رحلت سمية غدوة أجمالها
غضبى عليك فما تقول بدا لها
28
ثم قال:
هذا النهار بدا لها من همها
ما بالها بالليل زال زوالها؟!
أما أن تكون القافية رفعا أو جرا، ثم يدعو إلى النصب داع، فإن الشاعر لا يستجيب له، بل يمضي في قافيته، ملتزما ما ينبغي لها من تماثل وانسجام.
بنى الفرزدق على الضمة قصيدته التي أولها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
ثم قال:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلا مسحتا أو مجلف
فرفع «مجلف»، واستبقى حركة القافية، ولم يبال داعية النصب.
والنحاة يضطربون عند هذا البيت اضطرابا شديدا، فمذ قاله الفرزدق وهو مثار خلاف بين النحاة وبينه، وبين النحاة بعضهم بعضا.
29
فعبد الله بن أبي إسحاق إمام النحاة المتوفى سنة 117، عاب على الفرزدق وخطأه وسأله يوما: علام رفعت «مجلف» في بيتك؟ فقال: «على ما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا.» ثم أخذ يهجوه في شعره.
وأبو عمرو بن العلاء [س154]، ويونس بن حبيب [س183]، وكانا لا يعرفان للرفع وجها، ومحمد بن سلام [س232] سأل يونس بن حبيب، لعل الفرزدق قالها على النصب ولم يأبه بالقافية؟ فقال: لا، كان ينشدها على الرفع وأنشدنيها رؤبة على الرفع. ومن النحاة مع هذا من ينشده بالنصب تخلصا من الورطة في إعرابه، وقال أبو القاسم الزمخشري [س538]: «هذا البيت لا تزال الركب تصطك في إعرابه.»
وقال الإمام أبو عبد الله بن قتيبة [س276] في كتاب الشعراء: «رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيء يرتضى، ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر، أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه؟!» ا.ه.
وذلك أنهم قدروا النصب إعرابا ورأوا الشاعر قد انصرف عنه إلى الرفع، فرفضه من رفضه، واحتال لتوجيهه قوم، وعده من الضرورة آخرون.
وأنت تعلم حرص العرب على الإعراب، ودقة حسهم به، وتأديبهم عليه، وتعلم طبيعة الشعر العربي، وما فيه من قافية، وما للقافية من أحكام وأن التماثل والانسجام من أجلى صفاته، وأدق خصائصه. فلما تعارضت حركة الإعراب وحركة القافية، استجاب العربي لما هو أولى أن يمثل معناه، ويصور مراده، ولما هو ألصق بطبعه وأدخل في عربيته؛ وهو الإعراب.
كذلك فرق العربي بين الضمة والكسرة، وبين الفتحة. فليس لمنصف يعرف الحق أن يغفل هذه التفرقة من العربي، وأن يهمل وجه دلالتها، وما تشير إليه من معنى.