تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه من الدلائل على ما رأينا من أن الضمة والكسرة هما علما الإعراب، وأن الفتحة ليست من علاماته، وإنما هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب التي يحبون أن تنتهي بها الكلمات في درج القول، ما لم يدعهم الإعراب إلى حركة يدلون بها على معنى، أو يدعهم الوقف إلى إسكان يبت عنده النطق، ومن الله التوفيق والهداية إلى الصواب.

وقد نجد في كلام النحاة ما يؤيده أيضا؛ قالوا: بالنصب على نزع الخافض. ومعناه كما تعلم أن يكون من حق الكلام ذكر الجار، ثم يحذف لسبب ما، فتنقلب الكلمة مفتوحة؛ مثل: تمرون الديار. روي لجرير:

تمرون الديار ولم تعوجوا

كلامكم علي إذن حرام

وهم يعدون ذلك نادرا شاذا، على أنه في كلام العرب أوسع مما قرروا؛ هم قد اقتصروا على حذف الحرف الجار، وروي عن العرب النصب في غيره. قال الكسائي: «والعرب إذا ألقت «بين» من كلام تصلح «إلى» في آخره نصبوا الحرفين المخفوضين، تقول: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملا، وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما.» قال: «وسمعت أعرابيا وقد رأى الهلال، فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى أسرارك.» والعرب تقول: «الشنق ما خمسا إلى خمس وعشرين.»

30

ا.ه. فقد رأيت العرب تصبو إلى الفتح حين يحذف داعي الجر حرفا أو اسما.

وكذلك يصيرون إليه حين يتحول عن الكلمة داعي الرفع أيضا؛ تقول: خرج زيد وعمرو. تريد أن تتحدث عن كل منهما فترفع، فإذا كان الحديث عن واحد، وكان الثاني من تكملة الحديث، تحول داعي الرفع عنه فنصب؛ وقلت خرج زيد وعمرا.

وللنحاة في نصب هذا الاسم وناصبه خلاف عنيف، أناصبه الواو؟ أم الفعل قبله؟ أم هما معا؟ أم عامل معنوي سماه بعضهم الخلاف؟

على أن المنهج العربي واضح، في بعد عن هذا الخلاف والشقاق، فإنه لم يكن من داع إلى الرفع فدخلت الكلمة في الباب الأوسع الأشمل وهو النصب.

ومثل هذا كثير لا يخفيه عن الناظر إلا تلك الرسوم التي رسموا، ثم تعبد الناس بها حتى صرفتهم عن المعنى وما تدل عليه الألفاظ.

وتستطيع أن ترى مثل ذلك في: «كلمته فاه إلى في» و«بعته يدا بيد» لما لم يكن من همك التحدث عن الفم واليد، وإنما سقتهما بيانا وتتمة للحديث، لم ترفع، ولو قصدت إلى التحدث عنهما لرفعت، ولقلت: يد بيد، وفوه إلى في.

والنحاة ينصبون مثل هذا على الحال، ثم يجدونه مخالفا للرسوم التي وضعوها للحال، فيتأولون لذلك كعادتهم في التأويل.

وكذلك يقولون: «مطرنا سهلنا وجبلنا، والسهل والجبل. وجاء القوم أولهم وآخرهم، والأول والآخر.» يرفعون ذلك كله فيعربه النحاة بدلا، ويروى منصوبا فتكون معضلة لدى النحاة يستعان فيها بأنواع من التأويل.

وتعرف تعسفهم في إعراب «عمرك الله» و«نحن العرب» و«إياك والأسد»، و«إياك الأسد»، وكذلك تعرف عناءهم في تلمس السبل لإعراب «عذيرك»

31

في مثل قول عمرو بن معد يكرب:

أريد حياته ويريد قتلي

عذيرك من خليلك من مراد

وقول ذي الأصبع العدواني:

عذير الحي من عدوا

ن كانوا حبة الأرض

32

وإعراب ذلك كله، وسواه مما يحتد فيه الخلاف ويكثر فيه التقدير والإضمار، أمر قريب واضح؛ فإنها كلمات لا يتحدث عنها فترفع، ولا هي مضاف إليها فتجر، فليس لها إلا أن تلزم الأصل وهو النصب. (4) الأصل في المبني أن يسكنا

أصل أقره النحاة، وجعلوه أساسا لكثير من بحثهم في باب البناء، فإذا صح واستقام حكمه، وكان أكثر الكلمات المبنية في العربية ساكنا، كان ذلك شاهدا بميل العرب إلى التسكين، وبمصيرهم بالكلمات إليه، إذا لم يكن لهم من التحريك غرض.

وإذا علمنا أن حروف المعاني هي أكثر الكلمات دورانا على اللسان، وأولجها في تأليف الجمل، وأنها كلها مبنية، كان في تسكينها ما يشهد أن السكون أخف وأيسر، بما أنه قد اختير لأسير الألفاظ وأشيعها في الاستعمال، ولم يكن لنا أن نرد هذه الشهادة، وبمثلها نتنور أصول العربية، ونستشف أسرارها.

إحياء النحو · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٢٦