وقد جعلوا الإسكان علامة التشديد، والبت في الطلب، كما ترى التزامه في الأمر، وفي لتفعل ولا تفعل، وأنت تعلم ما يستدعيه الأمر في أغلب حاله من البت، والتشدد، والجزم. وربما أتوا بالسكون في غير الأمر دلالة على التأكيد وتقوية الكلام، كما ترى في قول امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل
وقول جرير:
ما للفرزدق من عز يلوذ به
إلا بنو العم في أيديهم الخشب
سيروا بنو العم فالأهواز منزلكم
ونهر تيرى فما تعرفكم العرب
21
بل إن أبا عمرو بن العلاء - من القراء السبعة، ومن أئمة النحاة - قرأ: «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.» بإسكان الراء تشديدا للأمر، لما كان استنكار المأمورين له ظاهرا، ونفورهم منه قريبا؛ وبعده:
قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67 من البقرة).
فهذه دقائق لمن أراد أن يستشف الحق من سر العربية.
وقد انتهينا من استخفاف الفتحة واستحباب العرب إياها، وتفضيلها في اللفظ على أختيها، وعلى السكون أيضا، واعتمدنا في ذلك على طبيعة النطق، وعلى روح العربية في الاستعمال.
ومما يشهد بأن الفتحة ليست بعلم إعراب، وأنها تخالف في ذلك أختيها الضمة والكسرة، ما قرره النحاة في أوجه الوقف على المتحرك الذي قبله ساكن؛ قالوا: «إذا وقفت على كلمة قبل آخرها ساكن؛ مثل: عمرو، وبدر. جاز لك نقل حركة الإعراب إلى هذا الساكن؛ إذ كانت ضمة أو كسرة، أما إذا كانت فتحة فليس لك ذلك؛ تقول: هذا البدر والبدر، ونور البدر والبدر، فإذا قلت: انظر البدر. امتنع أن تنقل الفتحة إلى الدال.» قال أبو القاسم الزمخشري في المفصل:
22 «وبعض العرب يحول ضمة الحرف الموقوف عليه وكسرته على الساكن قبله دون الفتحة في غير الهمزة، تقول: هذا بكر ومررت ببكر.» ا.ه.
فواضح أن العرب فرقت ما بين الفتحة وبين أختيها، ثم احتالت لتحتفظ بهاتين الحركتين على ما في النطق بهما من شدة، ولم تر أن تحتفظ بالفتحة، على سهولتها ويسر نطقها في مذهب الجميع، ولا يمكن أن أرى هذا التفريق عبثا، ولكن كانت الضمة والكسرة علامة على معان، فاحتفظ بهما، ولم يكن في الفتحة ما يدعو إلى هذا الاحتفاظ.
وحكم آخر من أحكام الوقف، فيه تأييد لما ذهبنا إليه، وهو الوقف بالروم، وتفسيره على ما في كتب القراءات: أن تنطق الحركة بصوت خفي يسمعه القريب، بينما يحسب من كان بعيدا منك أنك قد وقفت مسكنا، والوقف بالروم سائغ لجميع القراء في موضعه، وليس خاصا بإمام منهم دون إمام.
ولا يكون الروم عند الوقوف على ساكن، ولا على متحرك بالفتح، وإنما يكون في الضمة والكسرة.
23
وترى هنا ما رأيت في المثل الأول من الاحتفاظ بالحركتين - الضمة والكسرة - والإشارة إليهما بوجه ما وإغفال الفتحة؛ وذلك عندنا لما في الحركتين من معنى يراد دون الفتحة.
ومن القراء من يؤثر الوقف بالروم، ويستحبه للقارئ، إذا كان الإسكان يمس وجه الإعراب بشيء من الشبهة، كما في الآيتين الكريمتين:
فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (القصص: 24)،
نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (يوسف: 76)، فليس يخلو هذا من الشهادة بصلة بين حركة الإعراب وبين الوقف بالروم.
وشاهد ثالث من علم القافية؛ فقد تعلم أن حرف الروي يجب أن يكون واحدا في القصيدة كلها، وأن حركة هذا الحرف يجب أن تكون واحدة أيضا، فإذا اختلفت الحركة عدوه عيبا في القافية، ثم قسموه إلى قسمين:
الأول:
الإقواء: وهو اختلاف المجرى بكسر وضم.
والثاني:
الإصراف: وهو الاختلاف بفتح وغيره.
24
أما الأول، فقد ورد في شعر كثير من فحول الشعراء المتقدمين، حتى أباحه لهم العلماء ولم يعدوه في شعرهم عيبا، وكان الخليل يقول: «تجوز الضمة مع الكسرة.»
25
وأبو الحسن بن مسعدة
26
يقول: «كثر هذا عن فصحاء العرب.» ويروى منه للنابغة: