والذي نحاول أن نقرره بعد، هو أن الفتحة أخف من السكون أيضا، وأيسر نطقا، خصوصا إذا كان ذلك في وسط اللفظ ودرج الكلام.
ولا أعلم للنحاة مثل هذا الرأي، بل قد أجد في أقوالهم ما يشير إلى أن السكون أخف من الحركات جميعا؛ فقد يسمونه التخفيف، ويقولون: إن السكون عدم، والحركة وجود، و«لا شيء» أضعف وأخف من «شيء»، مهما يكن يسيرا ضعيفا. وذلك من سنتهم في الأخذ بالفلسفة النظرية، وغلوهم فيها بما قد يلفتهم عن الواقع، كما بينا من قبل.
وإذا نحن عدنا إلى طبيعة السكون، وفحصناه حين النطق بالساكن، رأينا أن السكون يستلزم أن تضغط النفس عند مخرج الحرف معتمدا على الحرف، محتفظا به، وفي هذا العمل كلفة تراها إذا نطقت بمثل: أب، أت، أث، وقسته إلى نطق «با» «تا» «ثا».
ثم من الحروف ما إذا أسكنته أرسلت النفس به آنا ومطلت النطق، متكلفا الاحتفاظ بمخرج الحرف الساكن، كما ترى في: غواش، وإشراك، ونواص، واصنع، وناس، ومسئول، ومتراخ، وأخبار.
ومنها ما يكلفك أن تردد اللسان، كأنك تكرر الحرف كما ترى في راء إرعاد وقدر، فإذا حركته حركة ما، مررت به الهوينى من غير ضغط ولا ترديد.
ومنها ما يلزمك قطع النفس وبت النطق، مع الضغط على الحرف والتمسك بمخرجه؛ مثل: أب وإبراهيم، وطبق، وإقبال، وقد، وقدر، ففيها كما ترى شدة في النطق، ونصيب من الكلفة، لا تراه إذا أرسلت الحروف مفتوحة.
وانظر ما صارت إليه القلقلة
17
المعروفة عند القراء من التكلف والتمسك، حتى كأن الحرف حرفان: أحدهما ساكن والآخر محرك بالفتح، ولقد تشعرك قلقلة هذه الحروف حين الإسكان - واختلاسنا لها ومرورنا بها هونا - أن الإسكان كان عند العرب أقوى وأملأ مما ننطق الآن، بل إن من العرب من كان أشد إظهارا للقلقلة وأجهر بها صوتا، قال سيبويه في القلقلة بعد شرحها: «وبعض العرب أشد صوتا.» ا.ه. (ص284 من الجزء الثاني).
وقد جرى المتقدمون على تسمية السكون وقفا.
18
واتفق القراء والنحاة على أن مخرج الحرف إنما يتبين ويتمثل إذا كان ساكنا، فكلفوا من يريد درس الحروف ووصفها، وتحقيق مخارجها، أن يسكن الحرف، ويصله بمتحرك قبله، فيقول: أب، وأت، وأث، ثم يرقب المنطق، ويصف المخرج، ويبين الصفات. وما رسموا ذلك إلا لما رأوا في الإسكان من التمهل بالحرف، والتمسك بمخرجه، وتحقيق نطقه.
فهذا من طبيعة السكون ونطق العرب به، يبين لك أن الفتحة أخف منه، وأيسر مئونة في النطق، وليس ينكر ذلك إلا من غالط نفسه وأنكر حسه.
ومن العرب من يميلون إلى التخفيف، فيسكنون عين الثلاثي إذا كانت مضمومة أو مكسورة. يقولون في رسل: «رسل»، وفي فخد: «فخد»، فإذا كانت العين مفتوحة؛ مثل: جمل، وعمر، وعنب. استبقوا الفتحة، وامتنعوا من تسكين العين.
19
ولو أن السكون كان أخف من الفتحة عندهم لمضوا في التخفيف، فساووا مفتوح العين بالمضموم والمكسور.
فهذا واضح لمن شاء أن يرى، وأوضح منه وأدل، أن العرب قد فروا في بعض المواضع من الإسكان إلى الفتح. ومن ذلك صنيعهم في جمع المؤنث السالم لمثل: فترة، وحسرة، ودعد. فإن العين
20
في المفرد ساكنة، ومن حقها في جمع المؤنث السالم أن تبقى ساكنة أيضا؛ لأن الجمع السالم لا يبدل فيه بناء مفرده، ولكن العرب أوجبت في مثل هذا فتح العين، فيقولون: فترات، وحسرات، ودعدات. ولا يجوزون الإسكان إلا في ضرورة من الشعر.
فهذا حسب المنصف بيانا ودليلا أن الفتحة أخف من السكون وأيسر نطقا؛ فإذا كان ذلك في وسط اللفظ، ودرج الكلام كان أوضح وأبين؛ لأن الإسكان أشبه بالوقف وأقرب إلى قطع اللفظ.
وبعد، فهذه شواهد أخرى تؤنسك بهذا الرأي، وإن لم تبلغ من الاستدلال ما تقدم من البيان؛ فأنت تعلم أن العرب تأبى أن تبدأ بساكن، وترفض أن يجتمع في نطقها ساكنان، حتى تفر من أحدهما بكسر أو فتح.