تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

ويضيفون إلى الجمل كثيرا.

ومن الأسماء ما لا يكون إلا مضافا، ومنها ما يحذف المضاف إليه بعده فيكون مقدرا مفهوما كأنك قد ذكرته.

وحروف الجر أو «حروف الإضافة»، كما ينبغي أن نسميها من بعد، كثيرة في العربية متعددة واسعة التصرف؛ توسع العرب في استعمالها وإنابة بعضها عن بعض توسعا أكسب اللغة مرونة وقدرة على التصوير، حتى كأن الفعل فعلان بأثر حرف الإضافة.

15

وليس يعنينا بيان هذه الأساليب وتحديد خصائصها الآن، وإنما أردنا أن نشير لك إلى أن باب الإضافة على قصره في البحث، وقلة ما فيه من الأحكام، باب كثير الدوران في اللغة العربية، وأسلوب واسع الاستعمال، بل هي أداة عظيمة شائعة تستعمل في كثير من المواضع بيانا للمعاني المختلفة، وأداء للأغراض المتنوعة.

وإن على النحاة أن يدرسوها درسا واسعا مفصلا، دقيقا عميقا، لا ليبينوا أثرها في اللفظ، وحكمها في الإعراب، بل ليعرفوا سبيلها في البيان، وأثرها في تصوير المعاني، ومدى تصرف العرب فيها وتوسع العربية بها. (3) الفتحة ليست علامة إعراب

الأصل الثالث: أن الفتحة لا تدل على معنى كالضمة والكسرة، فليست بعلم إعراب؛ وإنما هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب، التي يحبون أن يشكل بها آخر كل كلمة في الوصل ودرج الكلام؛ فهي في العربية نظير السكون في لغتنا العامية.

وفي تقرير هذا الأصل نجري في مخالفة النحاة إلى مدى أوسع، ولكنا لا نزال نجد دليلنا في كلامهم، ونستمد الحجة من أصولهم، غير أنا ننشر مهجورا أو نبسط مطويا، ونرجو أن نسوق من الأدلة ما يقنع المنصف، وتطمئن له نفس الباحث المخلص للحق، إن شاء الله.

أما أن الفتحة أخف الحركات، فذلك أصل مقرر عند النحاة، يتردد في كلامهم، ويجري كثيرا في جدلهم، ويستمدون منه السبب والعلة لكثير من أحكام التصريف والإعراب. ومراقبة العربية تشهد بكثرة دوران الفتحة وغلبتها على غيرها من الحركات، وتستطيع أن تختبر ذلك في أي جزء من الكلام.

خذ مثلا فاتحة الكتاب الكريم، وأحص ما فيها من الحركات، فسترى أن الفتحة وحدها أكثر من الضمة والكسرة معا.

وإذا رجعت إلى علم «مخارج الحروف» واستشهدت طبيعة الفتحة في نطقها، وقستها إلى غيرها من الحركات، وجدت البرهان الجلي على خفة الفتحة، والشهادة لذوق العرب في استحبابها؛ وذلك أن الفتحة القصيرة، أو الفتحة الطويلة - وهي الألف - لا تكلف الناطق إلا إرسال النفس حرا، وترك مسرى الهواء أثناء النطق بلا عناء في تكييفه.

أما الضمة وامتدادها وهو الواو، فإن النطق بها يكلفك ضم الشفتين ومطهما وتدويرهما حتى تحقق نطق الضمة أو الواو، واختبر ذلك في: قل وصم، وقولوا وصوموا مثلا، وراع هيئة الفم والشفتين حين النطق.

وكذلك الكسرة وامتدادها، وهو الياء، تكلفك أن تكسر مجرى الهواء وتحني طرف اللسان عند اللثة ليمثل الصوت ما تريد من الكسرة أو الياء، كما ترى في: صيد وبيع، وصد وبع.

وقد جمعنا في هذا البيان بين كل حركة واللين الناشئ منها؛ لنجلي لك الحقيقة أتم تجلية؛ فإن نطق الحركات ربما خفي في درج القول وفي وسط الكلمات؛ إذ اللسان لا يتلبث في النطق، فلا يستقر بعد الحرف، بل يتهيأ لتشكيل حرف آخر، فيمر نطق الحركة سريعا غير واضح التمثيل، فإن شئت تمثيله تأنيت في أعقاب الحروف فتصور الحركة وتشبعها، فإذا أشبعتها تمثلت واضحة وتمثل حرف اللين الناشئ منها.

والنحاة أنفسهم يقررون أن الألف فتحة مشبعة، والياء كسرة مشبعة، والواو ضمة مشبعة (انظر سر صناعة الإعراب لابن جني في باب الحركة).

وكانوا يسمون الفتحة الألف الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والضمة الواو الصغيرة، وكان هذا من أصل عملهم في الشكل الذي رسموا ليضبطوا به الحركات.

16

فخفة الفتحة في النطق، وامتيازها في ذلك على أختيها: الضمة والكسرة، أمر جلي، يؤيده البرهان من كل وجه.

إحياء النحو · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٢٢