ولا يقبل النحاة أن يكون التنوين في باب النداء للتنكير وحذفه للتعيين، ولكن لفظهم يشهد به فيقولون: تنون النكرة غير المقصودة، ولا تنون النكرة المقصودة، وهل معنى القصد في النداء إلا أن تكون مريدا إلى معين؟ وكل ما عمله النحاة أنهم فروا من وصف النكرة بالتعيين أو التعريف، وقالوا: نكرة مقصودة؛ ولا نريد أن يخدعنا هذا الاصطلاح عن الحقيقة، فالمنادى المعين أو المعرف يمنع التنوين لتعيينه، فإذا بقي للاسم بعد حذف التنوين حكمه وهو النصب، اشتبه بالمضاف إلى ياء المتكلم، لأنها تقلب في باب النداء ألفا؛ تقول: يا غلامي، ويا غلاما؛ وقد تحذف وتبقى الحركة القصيرة مشيرة إليها، فيقال: يا غلام ويا غلام. وفي الخلاصة:
واجعل منادى صح إن يضف ليا
كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ففروا في هذا الباب من النصب والجر إلى الضم، حيث لا شبهة بياء المتكلم.
وقد نقل سيبويه أن العرب قد يستروحون إلى مد آخر الكلمة ومط حركاتها، فذلك أصل آخر للاشتباه.
ويمكن صوغ هذه القاعدة في وضع أصح وأوضح من كلام النحاة، وأغنى عن تجديد اصطلاح خاص بهذا الباب، وهو: «متى أريد بالمنادى المنون معين، حرم التنوين الذي هو علامة التنكير؛ ومتى حرم التنوين ضم آخره فرارا من شبهة الإضافة إلى ضمير المتكلم»، وكانت قاعدة صحيحة دالة على روح العربية، ووجه إبانتها عن المعاني، واحتياطها لبعض اللبس.
وقد وفق النحاة حين جعلوا هذه الحركة ضمة بناء لا حركة الإعراب.
ونرى من كلام العرب نظيرا لهذا في الاسم الذي لا ينصرف، فإنهم حين حرموه التنوين لأسباب مبينة في مواضعها - وسيجيء لنا بحث في مناقشتها - خافوا أن يلتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم حين يكسر غير منون، فعدلوا عن الكسرة إلى الفتحة، فاتقاؤهم الشبهة بياء المتكلم في الممنوع من الصرف منعهم الكسر وحده؛ لأن ضمير المتكلم لا يكون هنا إلا ياء واتقاؤهم الشبهة نفسها في المنادى ألزمه الضم؛ لأن ضمير المتكلم فيه يكون ألفا كما يكون ياء.
فقد رأيت أن هذا الموضع الذي بدا في الأول مخالفا لأصلنا، ناقضا له، قد انتهى بنا درسه إلى أنه مؤيد لرأينا، لا معارض له، وكشف عن سر من أسرار العربية في وضع الحركات بحساب، وبإيحاء إلى معنى يراد.
اسم «إن»
أما النوع الثاني، وهو اسم إن، فإنه متحدث عنه، وحقه الرفع على أصلنا الذي قررناه ولكنه منصوب، ولا نتحرج أن نقول: إن النحاة قد أخطأوا فهم هذا الباب وتدوينه، ثم تجرأوا على تغليط العرب في بعض أحكامه كما سترى.
ورد اسم إن مرفوعا في الشعر وفي القرآن الكريم، وفي الحديث؛ ففي القرآن الكريم:
قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما (طه: 63)،
7
فذهب النحاة يتأولون أعسف تأويل ليمضي حكمهم في أن اسم «إن» لا يكون إلا منصوبا.
وورد في الحديث: «إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون.» فلحنوا راويه، وعطف عليه بالرفع
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (المائدة: 69). وفي بعض القراءات: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» (الأحزاب: 56)
8
برفع الملائكة، وفي الشعر ما روى سيبويه لبشر بن أبي خازم:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق
9
ثم أكد أيضا بالرفع، فقيل: إنهم أجمعون بدل أجمعين.
قال سيبويه: وأعلم أن ناسا من العرب يغلطون، فيقولون إنهم أجمعون ذاهبون، وإني وزيد ذاهبان (ص290 من الجزء الأول، ونقله الأشموني في باب إن).
ومع ما نعرفه لسيبويه رحمه الله من إجلال يملأ القلب، فإنا هنا نراه قد أخطأ وخطأ صوابا. قد يستطيع أن يرد بعض ما سمع من العرب، ويسهل عليه أن يخطئ محدثا فيما روى، فماذا يصنع بالآية الكريمة؟ لا سبيل إلى الرفض ولا إلى التخطئة، ولكنك تعلم أن البصريين قد مضوا في التأويل إلى أبعد مدى. يقولون في آية: