تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون

إن «الصابئون» مبتدأ قدر له خبره، وقد يصحح هذا التأويل وجه الإعراب على رأي البصريين، ولكنه يقطع الجملة تقطيعا غير مقبول.

10

على أن ما رفضه سيبويه قبله غيره من أئمة النحاة كالكسائي والفراء.

وإذا تركنا حكم النحاة لحظة، ونظرنا أسلوب العرب فيما بعد «إن»، وجدنا أنهم لمحوا حقه في الرفع؛ فورد عنهم مرفوعا، وعطفوا عليه بالرفع، وأكدوه بالرفع أيضا. وذلك شاهد لما رأينا من أن الموضع للرفع، وأنه وجه الكلام في اسم «إن»، ولكنا لا ننكر أنه ورد منصوبا، وكان النصب هو الغالب عليه، فمن أين جاءه النصب وغلب عليه؟ سنحاول بيان هذا، ونسألك شيئا من الأناة والروية لنستبين الحق معا.

لقد راقبنا استعمال «إن» وخاصة في القرآن الكريم، ووجدناها أكثر ما تستعمل متصلة بالضمير؛ مثل: إنا، إني، إنك، إنه. وهذا بيان بجملة إحصائها في القرآن الكريم.

مكسورة الهمزة

مفتوحة الهمزة

جملة

متصلة بالضمير

740

180

920

متصلة بالظاهر

323

121

444

متصلة بالموصول

105

11

116

متصلة بالإشارة

43

2

45

مكفوفة

139

17

156

جملة

1350

331

1681

ونعلم من أسلوب العرب أن الأداة إذا دخلت على الضمير مال حسهم اللغوي إلى أن يصلوا بينهما، فيستبدلون بضمير الرفع ضمير النصب؛ لأن ضمير الرفع لا يوصل إلا بالفعل، ولأن الضمير المتصل أكثر في لسانهم، وهم أحب استعمالا له من المنفصل. قال ابن مالك:

وفي اختيار لا يجيء المنفصل

إذا تأتى أن يجيء المتصل

ومن ذلك كلمة «لولا» لا يكون الاسم الظاهر بعدها إلا مرفوعا، فكان من حق الضمير إذا جاء بعدها أن يكون مرفوعا أيضا، ولكن العرب يقولون: «لولاه»، و«لولا هو»، و«لولاكم»، و«لولا أنتم»: يستعملون ضمير النصب وضمير الرفع.

أما ضمير الرفع فوجه استعماله واضح والموضع موضعه، وأما ضمير النصب فاستجابة لداعية الحس اللغوي من وصل الأداة بالضمير إذا وليها.

وتجد لذلك نظيرا في عسى، وهو فعل يتصل به ضمير الرفع، فتقول: عسيتم. وفي القرآن الكريم:

قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا (آية 246 من البقرة)،

فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (آية 22، محمد).

إلا أن هذا الفعل قد جمد فأشبه الأداة، وحرم خصائص الفعل من التصرف والدلالة على الزمن، فحول الضمير بعده إلى ضمير نصب، قيل: عساه وعساك؛ فإذا وليه الاسم الظاهر لم يكن إلا مرفوعا، تقول: عسى الله أن يغفر لي.

فهذا المسلك من العربية يفسر لنا ما نراه في استعمال العرب اسم إن منصوبا، وما نجده من أثر الرفع فيه؛ إذ يجيء أحيانا مرفوعا ثم يعطف عليه ويؤكد بالرفع أيضا؛ وذلك أنهم لما أكثروا من إتباع إن بالضمير جعلوه ضمير نصب ووصلوه بها، وكثر هذا حتى غلب على وهمهم أن الموضع للنصب، فلما جاء الاسم الظاهر نصب أيضا. وهذا موضع دقيق في العربية ولكنه صحيح مطرد عند الاختبار، أثبته النحاة وسموه الإعراب على التوهم، وتوسع في بحثه صاحب «الخصائص». ومن أمثلته عندهم: ما زيد قائما ولا قاعد. يقول النحاة: إن «قاعد» معطوف على «قائما» على توهم أنه جر بالباء؛ لأن الموضع يغلب أن تجيء فيه الباء.

وقال الفراء: «لما كثر توقيت العرب بالليلة، قالوا: صمت عشرا من الشهر، ولا يصومون إلا اليوم.»

ومن الممكن أن يقال: قياس هذا الكلام أن يجوز «لولا محمدا» إتباعا للولاه. وجوابه أن الضمير في «لولا» لم يكثر كثرته بعد «إن»؛ ولذلك كان ضمير رفع مرة ونصب أخرى، ولو أنه كثر وغلبت كثرته كما في «إن» لكان ضمير نصب لا غير، ولكان من الممكن بعد أن ينساق حكمه إلى الاسم الظاهر، فيقال: «لولا محمدا».

فقد رأيت أن اسم «إن» أصله الرفع، وأن رفعه صحيح جائز، وأن التزام الأصل الذي بيناه - وهو أن المسند إليه مرفوع - قد اطرد في الكلام، وكشف لنا في باب النداء، وفي باب «إن» عن سر خفي على النحاة، وصحح لنا من كلام العرب ما خطأه النحويون.

إحياء النحو · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٢٠