فتفويض الأمر إلى القائد الذي هو ولي أمر الجيش، والثقة به من الأمور المؤدية إلى الأخذ بالرأي السديد، والقول الصائب؛ لما تميز به من صفات أهلته لقيادة الجيش. فإن ظهر للجند أمر خفي أشاروا به عليه، كما أن في تفويض الأمر للقائد سبا لاجتناب الاختلاف في الرأي الذي قد يحدث تفرقا لجمعهم، وتمزيقا لوحدتهم.1
فالقائد المرجع الرئيس للجند في كل أمر يشكل عليهم، فيجب عليهم أن يفوضوا إليه جميع الأمور التنظيمية والمالية والفنية، ويتجنبوا كل ما قد يثير في صفوفهم الفرقة.
لما أمر أبو بكر خالد بن الوليد بالمسير إلى الشام مددا للمسلمين في اليرموك، عقد خالد العزم على المسير من أقصر الطرق وبأسرع ما يمكن فبحث عن من يدله على الطريق، ولم يهتد إلا إلى طريق وعر المسالك، لا يتحمله الجيش، ويخافه المنفرد، إلا أنه وجد نفسه أمام الأمر الواقع فعزم على المسير سالكا ذلك الطريق البري، الخالي من الماء والكلا والناس، فجمع الجند، وقام فيهم قائلا: «لا يختلفن هديكم، ولا يضعفن يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله لها، فردوا عليه قائلين: «أنت رجل قد جمع الله لك الخير، فشأنك» (2). ففرضوا أمرهم إلى الله ثم لقائدهم، ثقة منهم بحسن تدبيره، وسلامة نيته وإخلاصه في عمله.
(1) انظر الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 448 وانظر الفراء، الأحكام السلطانية،
ص 47.
(2) الطبري، المصدر السابق، ص 409؛ وانظر ابن الأثير، الکامل، ج 2 ص 279 - 280
152