فالحذر أقوى المكايد ضد العدو، لذا وجب على كل قائد أن يظهر أشد الحذر لعدوه، فيحجب عنه الأخبار، ويصون الأسرار، ويحصن عوراته ويحترز في كل أمر مهما كانت قيمته، وأن يحذر من فلتات اللسان، فقد تجلب له ما يكره، وألا يستهين بصغير لصغره، أو بجاهل لجهله، أو بأعجمي لعجمته، فقد يستدل ببعض كلامهم على ما ينكشف به سره ولينشر العيون في كل مكان يوجد به العدو، وليرسل الطلائع أمام جيشه لتأتيه بالأخبار، وألا يحتقر أمر العدو مهما حط من قدره، ولا يأمن جانبه مها أظهر من حسن النية، وليحصن الثغور ويدکها بالمقاتلة والسلاح) 1 وألا يسير إلا على تعبئة، خاصة عندما يقترب من العدو فقد كان «أهل الحزم والتجربة يرون لصاحب الحرب، أن يكون نزوله و مسيره بالتعبئة في الأمن كما يرونه في الخوف، إلا أن يدع ذلك عن ضرورة، ويرون ألا يخلو مما تيسر من التعبئة في الأمن على كل حال 2.
كان شرحبيل بن حسنة القائد الإسلامي لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة (3)، وكثيرا ما فوجئت الروم بتهيئه وحذره الدائم الذي يفوت عليهم مفاجأة المسلمين. قال عبد الملك بن مروان لأحد قادته موصيا إياه وقد أرسله لحرب الروم. وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتيال عدوك عليك (4)
(1) المصدر السابق، ص 19 - 20، 22.
(2) المصدر السابق، ص 35.
(3) انظر ابن الأثير، الکامل، ج 2 ص 295 (
4) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1 ص 133.
929